قبل عام بالتمام والكمال، عزل وزير الإعلام اللبناني ملحم رياشي، المدير السابق المؤقت لـ«تلفزيون لبنان» طلال المقدسي. قرار أتى عبر القضاء المستعجل، أنهى مرحلة الخلاف المستشري بين قسم الأخبار داخل المؤسسة الرسمية والإدارة، وبرّد نوعاً ما الانقسام العمودي الذي أصاب التلفزيون. على أبواب رحيل رياشي من الحكومة الحالية، وتشكيل حكومة جديدة، بدأ يتفاعل خبر موافقة الرئيس سعد الحريري على كتاب أرسله إليه رياشي في آذار (مارس) الماضي. يتضمن الكتاب طلباً لخصخصة كل من «تلفزيون لبنان»، و«الإذاعة اللبنانية» (القسم العربي)، وقد أحيل بدوره الى «المجلس الأعلى للخصخصة» الذي يفترض به أن يرفع تقريراً بعد شهرين . طبعاً، الى جانب المجلس، يحتاج قرار مماثل الى موافقة الحكومة مجتمعة، وكذلك مجلس النواب. قرار الوزير الذي راح يتفاعل أكثر في الوقت الحالي، يدافع عنه بشراسة. في حديث مع «الأخبار»، يؤكد رياشي أن هذا القرار من شأنه «تخفيف الأعباء» عن كاهل الدولة اللبنانية (يكلف التلفزيون سنوياً الدولة 20 مليار ليرة)، والدخول في شراكة مع القطاع الخاص (51% للدولة، و49% للخاص)، كاشفاً عن نيته تحويل التلفزيون الى ما يشبه نظام bbc، بأن يصبح للموظفين/ ات، أسهم فيه. ولدى سؤاله عن محاذير هذه الخطوة، نفى وجود أي خطر على التلفزيون والإذاعة، بل ذهب أبعد من ذلك، قائلاً إنّ هذه الخصخصة توفّر فرصة لتكون الشاشة الرسمية منافسة لباقي القنوات المحلية بل تصبح رقماً صعباً حتى عربياً!

إذاً، ملف خصخصة الإعلام الرسمي، عاد الى الواجهة، محاطاً بكثير من المحاذير والريبة على حدّ سواء. وقد تحدث رياشي في أحاديث إعلامية متفرقة، عن كمّ هائل من المستثمرين المنتظرين لأخذ حصة من التلفزيون، وأعينهم بالطبع على كنزه: الأرشيف الذي يعادل ثروة وطنية ومادية كبرى. وهنا، يعلّق رياشي: «ما حدا يعتل هم»، مؤكداً على نيته حفظ الأرشيف أكان في الإذاعة او التلفزيون.
لكن ماذا عن جدية تنفيذ قرار مماثل خرج قبل فترة قصيرة من مغادرة رياشي لوزارته؟ مصادر إدارية داخل التلفزيون الرسمي أكّدت أن القرار غير مأخوذ على محمل الجدّ، ولا يعدو كونه «فقاعة صابون»، أطلقها الوزير القواتي، محاولاً القول بأنه حقق مكاسب طيلة فترة وجوده في وزارة الإعلام، كما فعل قبلاً مع تغيير اسم الأخيرة ليضحي «وزارة الحوار والتواصل»، فقد تغيّر الاسم وبقيت «وزارة الإعلام» واقعاً. هذا الى جانب محدودية صلاحية الوزير في التصرف داخل «تلفزيون لبنان»، في غياب تعيين المدير العام، المختلف عليه قواتياً وعونياً. وهنا، لا يمكن إغفال ما خرج من تسريبات حول نية «القوات»، الاستحواذ على القناة الرسمية، في حال خسرت معركتها القانونية مع lbci، وسط استبعاد تحقيق هذا الأمر (أي وضع القوات اليد على القناة الرسمية)، مع فشل الإتيان بمدير عام «قواتي»، يقلب المعادلة داخل القناة الرسمية. الى جانب هذه العوائق، يبرز في الشق القانوني التباس حول طبيعة «تلفزيون لبنان». إذ ليس سهلاً أبداً نقل الشاشة الرسمية الى أحضان القطاع الخاص ولو شاركت فيها الدولة بحصة أكبر، بسبب الالتباس الحاصل في هذا المجال، كون التلفزيون غير مندرج بشكل رسمي ضمن المؤسسات العامة، فهو يملك شركة إعلانات، ويستفيد منها، بخلاف ما يقرّه القانون في ما يخصّ المؤسسات المماثلة بعدم تحقيق أي ربح مادي. كذلك، يوصف «تلفزيون لبنان» بأنه «شركة ذات طابع رسمي» لما عاصره من بيع وشراء داخله. فقد كان في البداية يتوزع بين الخاص والعام، إذ يملك الأخير نسبة 51%، بينما يملك القطاع الخاص نسبة 49%. بعدها، أتى رفيق الحريري واشترى الحصص كاملة، ثم عاد وباعها الى الدولة ليضحي بأسهمه كاملة في أحضان الأخيرة. وبالتالي، كان يجب أن يصنّف كمؤسسة رسمية، لكن هذا الأمر لم يحصل.
في سياق متصل، طبعاً، لا يبتعد قرار رياشي بالخصخصة اليوم عما التزم به لبنان حيال مؤتمر «سيدر» الذي عقد في نيسان (أبريل) الماضي، ويقضي بإدخال القطاع الخاص، الى بعض مرافقه العامة، وقطاعاته الحيوية كالاتصالات والمرافئ والمطارات، وأيضاً القطاع الإعلامي الرسمي، الذي اتفق على خصخصته أو إقفاله في حال كان «غير ذي جدوى». نتائج الخصخصة الكارثية التي شهدها لبنان، في بعض مرافقه العامة، يراد اليوم ــ حتى إعلامياً فقط ـــ الترويج لبيع أهم مرفق إعلامي لبناني، ولو كان مترهلاً وفي موت سريري، وسط صمت واضح من جهات رسمية عدة، حتى داخل القناة، التي ستتحرك نقابتها اليوم صباحاً، كما علمنا عبر عقد اجتماع مصغر للرد على قرار الوزير ملحم رياشي.