قبل الانطلاق منفرداً، كان هيو كولتمان عضواً في فرقة بلوز وروك بريطانية هي «ذا هوكس». الانتقال الى مسيرة منفرد كانت محطة تحوّل جذرية في حياته الفنية. فمن مغنّ وعازف هارمونيكا في الفرقة، لا يتمتع بالثقة الكافية لتقديم الأغنيات التي كان يؤلفها بخجل، أقدم على خطوة مفصلية حين قرر أخيراً جمع مؤلفاته في ألبوم والعمل بجدية على أغنياته الخاصة، متسلحاً بالثقة التي منحها لها الجمهور والنقاد. في مرحلة ما، بين تركه الفرقة وانطلاقه منفرداً، اختبر كولتمان نمط حياة تقليدياً هادئاً، في ممارسته مهنة مدرّس لغة أجنبية. ولكن حبّه للموسيقى كان الأقوى وعاد وشدّ به الى عالم الفن.

أصدر الى جانب فرقة «هوكس» التي أسسها عام 1991 مع موسيقيين بريطانيين ثلاثة ألبومات، إضافة الى ألبوم سُجّل خارج الاستديو وقام بجولات عدة في العالم. بعد انتقاله الى باريس واستقراره هناك، قرر عام 2004 تجربة مسيرة منفردة، فراح يكتب أغنيات ألبومه الأول. في هذه الأثناء، اجتمع مجدداً مع أفراد فرقته السابقة لبعض الوقت، كما غنى في الجزء الأول من حفلات فنانين فرنسيين نجوم على غرار فانيسا بارادي.
بعدما اكتشف كولتمان الجاز وما يعنيه من حرية في التعبير وفي عدم تكرار الذات من حفلة الى أخرى، كانت مغامرة تسجيل اسطوانة تكريم لنات كينغ كول، لم يتوقع النجاح الذي تلقّته، خصوصاً أنه تجرأ على استعادة أيقونة في عالم الجاز. فكان ألبوم التحية الذي كان وراء اختياره صوت العام في جوائز «انتصارات الموسيقى» الفرنسية في فئة الجاز لعام 2017. من دون البحث عن تقليد آباء الجاز أو نقل موسيقاهم كما هي، يضع الفنان الكثير من شخصيته وبصمته ليعيد أداء نصوص ومقطوعات معروفة، وقد يكون هذا أكثر ما جذب الجمهور والنقاد للاستماع إلى أعماله والاهتمام بها.
تبعاً لألبوم الاستعادات، شعر كولتمان بالحاجة إلى تقديم مشروع أكثر حميمية وأكثر إبرازاً لقدراته التأليفية وتعبيراً لرؤيته الخاصة. فكانت رحلة إلى ولاية لويزيانا الأميركية، منبع الجاز حيث تعرّف إلى موسيقيين واستمع إلى قصص من المنطقة. رغبته في صنع ألبوم شخصي تحوّلت حاجة الى إخبار قصص أكثر تنوعاً وشمولية أيضاً. انقضت خمس سنوات لم يؤلف خلالها كولتمان أي شيء بعد ألبوم التحية الى نات كينغ كول. لدى العودة الى الكتابة، كانت في باله صورة أشخاص يحتفلون في أجواء جازية في ساعات متأخرة من الليل. هكذا ولدت فكرة الـ«براس باند» أو فرقة الآلات النحاسية والغيتار والإيقاعات، وبدأت الأغنيات الواحدة تلو الأخرى تتبلور في أفكاره. كما كان هناك حرص على عدم الابتعاد عن نمط الجاز الذي اعتمده في ألبومه السابق. العودة الى جذور الجاز ترافقت مع تسجيله أيضاً للألبوم الجديد في أحد أكثر شوارع نيو أورلينز فقراً وتاريخاً، «تريميه»، حيث اجتمعت فرقة الموسيقيين الذين عمل معهم كولتمان لستة أيام داخل كنيسة تحوّلت إلى استديو تسجيل خلال الصيف الماضي. على مستوى الآلات، لجأ خصوصاً الى النفخية النحاسية منها، لتكون النتيجة سلسلة مقطوعات تتأرجح بين الجاز والبلوز والسول.
عنوان الألبوم «من منّا سعيد؟» يعكس تساؤلات الفنان ويلخّص رؤيته لعدد من المواضيع الشخصية والعامة التي تحفل بها أغنيات الألبوم، وأغلبها موجع ويدخل الصميم. الألبوم صدر في آذار (مارس) الماضي، يعكس غنى وتجديداً خصوصاً على المستوى الموسيقي، بتنوّع إيقاعاته وفرادة في توزيع آلات النفخ النحاسية خصوصاً التوبا والترومبيت. عملية كتابة الأغنيات كما قال في إحدى المقابلات أخيراً لم تستغرق الكثير من الوقت، إذ كرّت السبحة تلقائياً بعد البدء بـ «ذا سينر»، والتفكير بالجو العام الذي أراد إضفاءه على الألبوم. كل الأغنيات في هذا الألبوم الذي سيقدّم منه الجزء الأكبر من حفلة «ميوزكهول»، من تأليفه، باستثناء استعادة It’s Your Voodoo Working لتشارلز شيفيلد المدعومة بإيقاعات راقصة وحوارات بين الآلات النحاسية والإيقاعية وعزف الغيتار. أما كليب الأغنية الذي يمكن الاطلاع عليه على الانترنت فمرح نوعاً ما، ونزور فيه حانات نيو أورلينز وحفلاتها. وقد تكون Sugar Coated Pill التي يتضمنها أيضاً الألبوم من أكثر الأغنيات التزاماً، إذ كتب كلماتها بعد رحلته الأولى الى لويزيانا وإصغائه الى قصص من واقع حياة السكان هناك. من بين عناوين الألبوم «سيفي ستريت» الذي يفتتحه. يتناول العمل أيضاً قصصاً شخصية من حياة المغني، الذي يجد في مرض والده المصاب بالألزهايمر مصدر استقاء لأغنية All Sleeps Away كما يغني لابنه في Little big Man.