تشتهر الكويت هذه الأيام بالمنع. البلد النفطي الذي كان يعتبر بوابة الخليج الثقافية، بدأت تسيطر عليه القبائل والتيارات الدينية المتشددة. التدوين بات ممنوعاً، وصارت القوانين التي تمنع النشر تصدر سنوياً، مع لوائح بالكتب الممنوعة، منها كتب الحلّاج وأبو الفرج الأصفهاني. قبل سنوات قليلة، منعت الكويت الشاعر والأكاديمي العراقي معروف الرصافي (توفي عام 1945) من دخول أراضيها.


أما اليوم، فتفتح السنة الجديدة بنكتة «سمجة» أخرى، تمثلت في مطالبة النائب الكويتي محمد الجبري بمنع الفيلسوف والمتصوف الكبير «مولانا» جلال الدين الرومي (1207 ــ 1273) من دخول البلاد وإيقاف أمسيته! كان النائب يتحدث في مداخلة في مجلس الأمة الأربعاء الماضي، معترضاً على ندوة مقررة في الكويت يوم 26 كانون الثاني (يناير) الحالي، تتحدث عن «مولانا»، ومخصصة للنساء. وقال الجبري في مداخلته: «لقد كلمت وزير الإعلام بضرورة منع هذه المهرجانات التي تعلّم الرقص وقلّة الحياء وتخالف ديننا، كما كلمت وزير الأوقاف، وطالبت وزير الداخلية بمنع دخول مثل هؤلاء الأشخاص».
إذاً، ديوان «المثنوي» أو بركات أستاذه الشمس التبريزي أو دراويشه المنتشرين حول العالم، وحتى وفاته قبل حوالى 740 عاماً، لن تشفع للمتصوف
الكبير.
الرومي أصبح في ورطة، خصوصاً بعدما اعترض النائب الفذ على وصف الرومي بـ«مولانا»، على اعتبار أنّ الله هو مولانا وليس المتصوّف الشهير، مشدداً على أنّه حدّد عنوان «المدعو جلال الدين وحياته وأشعاره وخزعبلاته التي أراد تقديمها في أمسية مخصصة للنساء فقط».
وسرعان ما انتشرت مداخلة النائب الكويتي على الإنترنت عبر مقطع فيديو (3 دقائق) تفاعل معه المدوّنون الكويتيون بسخرية لاذعة. حتى إنّهم كانوا ينوون تعميم صورة جلال الدين الرومي في المنافذ والمطارات لمنعه من دخول البلاد، مطالبين بالسماح بإقامة أمسيات شعرية لعنترة والمتنبي وأبو نواس في مهرجان «هلا فبراير» الكويتي!
الخبر أشعل محرك البحث «غوغل» في الكويت، وراح الجميع يبحث عن سيرة الرومي، مطالبين له بـ«الحرية». نكتة الموسم، علّق عليها ناشطون على حسابات ساخرة أنشئت على تويتر. غرّد أحدهم: «تم تحويل جلال الدين الرومي إلى مكتب أمن الدولة في مطار الكويت، ولم يسمح له بالدخول بعد تهديد وتصعيد النائب محمد الجبري». ارتدادات الجلسة البرلمانية وصلت إلى مصر، إذ علّق أحد المدوّنين هناك: «في نائب عايز يحبس جلال الدين الرومي في الكويت. مش إحنا بس اللي عندنا أبلة فاهيتا» (الأخبار 3/1/2014). بدورها، لم تستطع مذيعة قناة «العربية» سهير القيسي إخفاء ابتسامتها وهي تذيع الخبر.
الديكتاتورية البدوية التي كانت تغرّد خارج سرب دول الخليج قبل 20 عاماً، تخسر اليوم الكثير من رصيدها الثقافي القديم، وتغطيه برمال الجهل والقمع. ممارسات باتت تشبه رؤية «مولانا» نفسه في قصيدة «أنين الناي» حين قال: «الحكمة المروية محرمة على الذين لا يعقلون/ إذ لا يشتري عذب الحديث غير الأذن الواعية».