الجذب من المشاهد الأولى. عبارة مقتضبة يمكن أن توجز مسار مسلسل «الرحلة» (تأليف عمرو الدالي وأحمد وائل عن قصّة من كتابة السورية نور شيشكلي، وإخراج حسام علي، وإنتاج «سيلميديا» و«تريلر» و«ماكس برودكشن») الذي يخوض السباق الرمضاني هذا العام، وسط منافسة حامية بين أكثر من 30 مسلسلاً مصرياً. ظنّ بعضهم أنّ المخرج سيقع في فخّ التكرار، إذ إنّه ينجز هذه السنة أيضاً عملاً فيه الكثير من الأكشن والتشويق والإثارة والغموض، ويتعاون مع الجهات المنتجة نفسها التي تولّت مسلسله «30 يوم» (2017 ــ كتابة مصطفى جمال هاشم تحت إشراف أحمد شوقي)، بالإضافة إلى إعادة التجربة مع عدد من الممثلين (على رأسهم السوري باسل خيّاط ووليد فوّاز). لكنّ المخرج المصري تمكّن من اجتياز هذا الامتحان بنجاح، متكئاً إلى أدواته التي يجيد استخدامها خصوصاً لناحية السينوغرافيا، بدءاً بالكادرات، وحركة الكاميرا، وتقطيع المشاهد، والانتقال بين الماضي والحاضر بسلاسة، وليس انتهاءً بإدراة وضبط إيقاع الممثلين، والإضاءة (داكنة ويغلب عليها اللون الأصفر)، فضلاً عن أسماء تعيد إثبات نفسها كأرقام تمثيلية صعبة (خيّاط، وريهام عبد الغفور، وفوّاز، وحنان مطاوع…)، وأخرى يافعة تؤكد أنّها واعدة (ثراء جبيل، ومحمود حجازي، وجوليا شواشي، وهاجر أحمد…).

هكذا، حوّل حسام علي النص (تشوبه أخطاء في بعض التفاصيل) الذي لا تتسم قصصه بالجِدّة أو الاختلاف إلى مادّة ممتعة، مطوّراً كل العناصر في خدمة الأحداث وفي سبيل إدخال المشاهد إلى لبّ الأجواء.
تبدأ الحكاية في إطار غامض، حول مجموعة من الشخصيات التي يعاني كلّ منها من مشكلة نفسية مختلفة ومتفاوتة، شاءت الظروف أن يلتقوا على متن رحلة جوية تحمل الرقم 710، متجهة من بيروت إلى القاهرة. يجمع «القدر» بين هؤلاء الذين يخفون أسراراً كبيرة، قبل أن تتلاقى مسارات حيواتهم لاحقاً وتتداخل في خطّ واحد. من خلال صور فوتوغرافية، يكتشف السيناريست الشهير الحريص على سمعته وصورته أمام الناس، «آدم منصور» (وليد فوّاز) أنّ عروسه «سارة» (مي سليم) كانت على علاقة بشخص آخر ولم تخبره، فتبدأ حياتهما الزوجية فوق بركان من الشكّ والغضب، لتبرز المشاكل النفسية التي يعاني منها «النجم». أما «كريمة» أو «كيمي» (حنان مطاوع)، فعلمت للتوّ بإصابتها بسرطان الثدي. صدمة توصل مصمّمة الأزياء الشهيرة ومديرة صالون التجميل إلى حافة الانهيار، غير أنّها تبدأ العلاج وتحاول المقاومة كرمى لعيون شقيقتها الصغرى والوحيدة (بمثابة ابنتها) «كارما» (ثراء جبيل).

شاءت الظروف أن يلتقي أناس على متن رحلة جوية، لتتقاطع مصائرهم لاحقاً


صحيح أنّ الممثلين الذين سبق ذكرهم أجادوا جميعاً إدخال المشاهد إلى تفاصيل حيواتهم، وأرغموه من حيث لا يدري على الاندماج فيها، لما تتسم به قصصهم من قرب من الواقع وقابلية للتصديق، غير أنّ الثنائي الأبرز في هذا العمل من دون شكّ هو ريهام عبد الغفور وباسل خيّاط. ببراعة وصدق، تلعب الأولى دور «رانيا»، المرأة التي لم تقوَ على منع سنوات من عمرها من الضياع، بسبب هوس زوجها «الدكتور أسامة» وارتيابه المرضي من سلوكيات «الناس اللي برّا دول… الوحوش اللي برّا دول» (كما يردّد دائماً)، وخصوصاً النساء اللواتي سبق أن «تفنّن» في تعذيب عدد منهنّ (حتى الموت أحياناً)، «موثّقاً» اللحظات بالفيديو. غير أنّ المرأة التعيسة تتمكّن أخيراً، وبعد محاولات متكرّرة، من الهرب والتوجّه برفقة صغيرتها «سلمى» إلى مصر، ليلحق بهما الزوج وتبدأ قصّة معاناة جديدة. فمنذ زواجهما قبل ست سنوات، يحبس الأستاذ الجامعي الذي يدرّس مادة «علم السموم» (toxicology) زوجته في منزل لبناني يقع في منطقة نائية، بعدما جعلها مدمنة على المهدّئات ليتمكّن من السيطرة عليها. تذكّرنا الخطوط العريضة لهذه القصّة بفيلم «غرفة» (2015 ــ إخراج ليني أبراهامسون) الذي حازت عنه الأميركية بري لارسون أوسكار أفضل ممثلة. فالبطلة أمّ تُسجن مع ابنها «جاك» في مكان لا تزيد مساحته عن أمتار قليلة، ثم تخطّط لكسر القضبان.
أسباب جنون الارتياب الذي يسيطر على «أسامة» ليست واضحة بعد رغم عرض 22 حلقة، لكن الأكيد أنّ طفولته تخلّلها الكثير من التنمّر والإهمال، فضلاً عن خيانة أمّه لوالده، كما يبدو في مشاهد الفلاش باك. إلّا أنّه تحت غطاء السلوك السيّئ والتسلّط والتعنيف ولوثة الجنون، هناك طفل هشّ، لا بل محطّم، يعاني الوحدة الشديدة، وفاقد للثقة بكل مَن حوله، وكاره للعالم الذي نعيش فيه وكأنّه من كوكب آخر. وفي كلّ فرصة، يؤكد أنّ ما فعله بـ «رانيا» ناجم عن «حبّه الشديد» لها، ولا يعدو كونه رغبة منه في «حمايتها» وطفلتهما، لأنّها «طاهرة» ولا تشبه سكّان «الخارج» المتخم بالكذب والرياء والنفاق والخيانة والخداع…
باسل خيّاط هنا، «مايسترو» يقولب مهاراته التمثيلية بدقّة وحرفية لتقديم هذه الشخصية حادّة الذكاء والمركّبة والمعقدّة. يبدو وكأنّه تلميذ حضّر درسه جيّداً قبل الخضوع للامتحان، بدءاً من الشكل (الشعر المستعار، والكرش، والملابس التي لا تمت إلى صيحات الموضة بصلة، والنظارات الكبيرة...)، إلى المشية وحركات الوجه وأسلوب الكلام، وصولاً إلى ردود الأفعال التي تقسو أحياناً ثمّ تغرق في الضعف والحنين. ولعلّ أكثر ما يُظهر مدى شعور «أسامة» بالوحدة وافتقاره للإحساس بالأمان وحاجته إلى العواطف هو استعانته بكف بلاستيكي يُستخدم عادةً أثناء التنظيف المنزلي، فيملأه بالحبوب أو الرمل ثم يُمسك به ويستلقي، كما يفعل الطفل الذي يمصّ إبهامه أو يصرّ على اصطحاب دبدوبه المفضّل إلى السرير. سلوكيات يشير علم النفس إلى أنّ البشر يلجأون إليها لسدّ فراغ الوحدة أو الضجر. كما حسام علي، يتجنّب باسل خيّاط فخّ التكرار، ويفاجئنا بشخصية مشغولة بـ «مزاج» بعيدة ومختلفة عن دور الـ «جوكر» الذي لفت من خلاله الأنظار العام الماضي في «30 يوم». والنتيجة: مسلسل بعيد عن السائد يشدّ المشاهد حتى النهاية.

«الرحلة»: 00:00 على dmc، و21:00 على «dmc دراما» و«Zee ألوان»، و2:00 على «نيل دراما»