من العبث تقديم ممثّل من طراز وشهرة إياد نصّار (1971). لطالما أمتعنا الممثّل الأردني بأدوار من نوعية لا يمكن لغير المتمكّن تصديرها إلى الشاشة. حمل على كتفيه شخصيات مركّبة ومتطلّبة، من قبيل «المأمون» في «أبناء الرشيد: الأمين والمأمون» (2006)، و«حسن البنّا» في «الجماعة» (2010)، و«سيّد العجاتي» في «موجة حارّة» (2013)، و«علي» في «حارة اليهود» (2015)، و«طارق رمضان» في «أفراح القبّة» (2016)، و«أكرم» في «هذا المساء» (2017). عمل تحت إدارة كبار مثل محمد ياسين وتامر محسن وحاتم علي في التلفزيون، ومروان حامد وكاملة أبو ذكرى في السينما. تلوّن في مناخات صناعة متعدّدة، منتقلاً من الدراما الأردنيّة إلى السوريّة، ثمّ المصريّة، وصولاً إلى هوليوود عبر مسلسل The Looming Tower، الذي انتهى عرضه على منصّة Hulu أخيراً. «الأخبار» التقت إياد نصّار ضمن «مهرجان قابس للسينما» الأخير في تونس. حوار صريح حول آلية عمله وتفكيره، وتطلّعاته للمرحلة القادمة.

ثمّة حديث جديّ عن مشروع أؤدي فيه شخصية بليغ حمدي

لا مسلسل رمضانيّاً هذا الموسم بخلاف المعتاد. لماذا؟
السبب بسيط. لم أجد النصّ المناسب.

منذ البداية في الأردن وسوريا ثمّ القفزة الكبيرة في مصر، وصولاً إلى The Looming Tower، يبدو أنّك من أكثر الممثّلين العرب عبوراً لمراحل واختباراً لمناخات حالياً. هل كنتَ تتوقّع كلّ هذا خلال زمن قصير نسبياً؟
هذا سؤال له علاقة عميقة بطريقة تفكيري. في مرحلة ما في الأردن، كنتُ مصاباً بحالة يأس وإحباط شديدين. تشعر أنّك لا تصل إلى شيء من طموحك، رغم تكرار المحاولات. عدم وجود مشهد إنتاج حقيقي، ينسف فكرة التنافس الفعلي. يصبح الممثّل مرهوناً للمنتج، وليس حاجةً أو شريكاً له. فكرة تصنيفك كممثّل، مبنية على مزاجية المنتج. ليس كما الحالة السوريّة والمصريّة، التي يختار فيها الجمهور من يحب، ما يضطر المنتج إلى اللجوء إليه. في الأردن، كان العدد محدوداً. الصناعة ليست كبيرة. كل ذلك، خلق داخلي شكلاً من أشكال الإحباط. بعدها، وجدتُ أنّ هذه الحالة لن توصلني سوى إلى مزيد من الانزلاق في الهاوية. مشروع حياتي ينهار أمام عينيّ. هكذا، أخذتُ نفساً، ووقفتُ مع ذاتي. ما حوّلني حقيقةً عبارة «أرى ما أريد» لدرويش. بدأتُ بالتحرّك. أخذت الأمور تتغيّر. بعد فترة بسيطة، كان مسلسل «الأمين والمأمون»، الذي فتح أمامي فكرة التواجد في أماكن أخرى، ومنها مصر، فتحرّكت أيضاً.
خيارات البداية هناك ربّما لم تكن بتلك الأهميّة فنيّاً، حتى أنّ البعض في الأردن لامني على ترك مكان جيّد، للذهاب نحو فرص أدنى، لكنّ الحقيقة أنّ تلك الخيارات أفادتني كثيراً. لم أكن أريد الهبوط على المشهد المصريّ بالباراشوت، أو الاحتكاك به من الخارج كبطل مسلسل أو ما شابه. أردتُ أن «أعيش» مصر، أن أنصهر وأكون حقيقيّاً وأصيلاً. قلتُ مراراً إنّني اتخذتُ نموذج هند صبري مرجعاً ومثالاً، لأنّها نجحت في الانغماس داخل المجتمع المصري بشكل كامل وفعليّ. كنت أقرأ تجربتها بشكل دقيق، وأريد أن أصبح معادلاً موضوعياً لها، من ناحية الممثّلين الرجال. فهمتُ الشارع المصري بشكل أكبر. تجارب ما قبل مسلسل «الجماعة» جهّزتني له، فتحققت النقلة المنشودة عن طريقه.
بالنسبة لـ The Looming Tower، لا أحبّذ مصطلح «العالمية»، لأنّ له منطقاً مختلفاً. كانت تجربة مغايرة، بمعايير صناعة لا يمكن لأحد إنكار تفوّقها على العالم كلّه. خضتها بفضول استكشاف «هم متفوقين ليه؟». المفارقة أنّ الأمر حصل بالصدفة، من خلال صورة مع ظافر العابدين، الذي كان ضيفاً في آخر مشاهد «هذا المساء». أحد كتّاب ومخرجي The Looming Tower مصريّ مقيم في أميركا، رآني في الصورة. سأل ظافر عنّي، وتمّ التواصل. أجريتُ تجربة أداء، وجاءت الموافقة. أحياناً، يتحرّك الكون بطريقة تخدمك، إذا كنتَ تريد وتسعى لذلك.

هل اكتشفتَ «هم متفوّقين ليه...»؟
الاستغلال الأمثل للوقت. في يوم التصوير، يعمل الجميع 12 ساعة كخليّة نحل شديدة التنظيم والفعالية. أيضاً، فترة التحضير الصحيح. المسلسل مكوّن من 10 حلقات، تمّ تصويرها على مدار عام ونصف. هذه رفاهيّة لا نمتلكها كعرب. يحتاج تحقيق شيء منها إلى منتج مؤمن بأهميّتها. يرى الأمور من منظور مختلف عن السائد.

هل تضع خططاً واستراتيجيات للمستقبل، أم تترك الأمور تسير على راحتها؟
أعتقد أنّ الأمر يتعلّق بالجاهزيّة أكثر من التخطيط بالمعنى الدقيق للكلمة. بمعنى، إذا أردتُ الحضور في المشهد الدولي، يجب أن أكون مستعدّاً. مثلاً، بعد عرض The Looming Tower، جاءني عرض من مسلسل لصالح شبكة TV5، لم أتمكّن من تلبيته بسبب عدم إتقاني الفرنسيّة. سألتُ نفسي: لماذا لا أجيد هذه اللغة؟ يجب أن أتعلم، حتى أكون جاهزاً للعرض التالي، وأنا بصدد ذلك بالفعل.

أدوار «دسمة» مثل «حسن البنّا» و«سيّد العجاتي» و«طارق رمضان»... كيف تحضّر لها؟
الشرح التقني يطول. الأدوار «الثقيلة» كالتي ذكرتها، تتطلّب تحضيراً مرهقاً. طبعاً، ليست كلّ الأدوار تحتمل الطريقة نفسها. السبب أنّني في أسلوب العمل، أنتمي لممثّلي المنهج Method Actor، الذين يصنّف ضمنهم كبار مثل مارلون براندو، وآل باتشينو، وروبرت دي نيرو، وجاك نيكلسون، ودانيال داي لويس. طريقة صعبة. تصبح مرهقة جداً على مستوى مسلسل 30 حلقة. تاريخ الشخصيّة أساسي. يجب أن تبنيه وتراه. ثمّة شخوص قد لا يكونون حاضرين في العمل، ولكن يجب أن يكون لديك تصوّر عنهم. هكذا، أبني مستوىً ثانياً من لا وعي الشخصيّة بأحاسيسها وطريقة تفكيرها.
هنا، نأتي إلى مرحلة أخرى، هي اللعب على المشاعر التي يشترك بها البشر جميعاً. بعضها قد لا يكون كبير الظهور في حياتي الشخصيّة، ولكنّي ألجأ لها عند اللزوم. في حالة «سيّد العجاتي» المهووس بالشك، قمتُ باستحضار الشك داخلي كإياد، ثمّ تكبيره إلى مستوى الشخصيّة، لتظهر كما يجب. في «هذا المساء»، شعرتُ أنّ «أكرم» لا يدخّن، فامتنعتُ عنه طوال التصوير، مع أنّي مدخّن شره. أخيراً، أقطع الخيوط مع الشخصيّة من خلال تقنيات كالتأمّل وما إلى ذلك.

هل يترك ذلك أثراً عليك خارج اللوكايشن؟
بالتأكيد، لكن ليس إلى درجة العيش في الشخصيّة أو التوحّد التام معها كما يقول بعضهم. أرى ذلك نوعاً من المبالغة أو الادّعاء. عادةً، تصبح الصفة التي أكبّرها جزءاً من حياتي اليوميّة. هل هذا الشك الذي يرافقني جزء من «إياد» أم من «سيّد العجاتي»؟ المقرّبون من عائلة وأصدقاء يدفعون الثمن.

ماذا عن المشاهد التي لا تُنسَى مثل مونولوغ «القاهرة بتغوص في الوحل، والعاهرة أشرف من السجّان» في «موجة حارّة» أو حلقة الأقنعة في «أفراح القبّة»؟ هل تحمل هم مشاهد ماستر كهذه؟
هنا، نتحدّث عن صانع بمستوى محمد ياسين. ثمّة تناغم وكيمياء عالية بيننا، وشراكة مترسّخة منذ «الجماعة». نحن الاثنان نفكّر بشكل عرضي دائماً. بمعنى أنّنا نصوّر مشهداً، فيما نفكّر بالماستر في الوقت نفسه. هل يمكن أن تفعل الشخصيّة تفصيلاً ما؟ كيف سيبكي «سيّد» أمام أمّه؟ يجب أن نشعر أنّ زلزالاً قد وقع. يستمرّ النقاش وتسجيل الملاحظات، بحيث يتم بناء الجزء الأكبر من الرؤية، وصولاً إلى يوم التصوير الذي تكتمل فيه. يعود جزء من اعتماد هذه الآلية إلى الإيقاع اللاهث في إنجاز المسلسلات. التحضير الصحيح رفاهية غير متاحة. المناخ فيه كثير من الارتجال غير المدروس. على الأقل، نحاول تقليل هامش الارتجال في المشاهد الهامّة. هذا ينسحب على عدد من المخرجين، الذين يعملون على مشروع حقيقي، مثل تامر محسن وكاملة أبو ذكرى...


بالانتقال إلى السينما، هل تعتقد أنّ ما أنجزت يرقى إلى مستوى طموحك أو مكانتك في التلفزيون؟
أنا واعٍ تماماً إلى أنّ ما أنجزته في السينما لا يتناسب مع ما حققته تلفزيونياً. السبب أنّ معظم ما عرض عليّ لم يكن مكتوباً بالإحكام الكافي. ظلّت أدواري التلفزيونيّة أكثر نضجاً، ففضّلتها على عروض سينمائيّة أقلّ أهميّة. أصلاً، لم أشتغل عدداً كبيراً من الأفلام. قبل «الجماعة»، لم تكن لديّ خبرة الوقوف أمام عدسة السينما. كنتُ أستكشف وأتعلّم، ولو لم تكن جميع العناوين بالقيمة المطلوبة. أخيراً، بدأت الأمور تصبح الأفضل. «ساعة ونص» (2012) لوائل إحسان ترك أثراً. إنّه شريط لا يشبه كثيراً من إنتاجات السبكي المعروفة. كذلك، شاركتُ في «جواب اعتقال» (2017) لمحمد سامي، إلى جانب محمد رمضان.
مسلسل للعرض خارج رمضان بعنوان «شبر ميّة»

أفدتُ من نجوميته للوصول إلى شرائح جديدة من الجمهور، لم أكن على التماس المطلوب معها سابقاً. أيضاً، سعدتُ بالعمل مع مروان حامد في «تراب الماس» أخيراً. صحيح أنّ الدور صغير، ولكنّ المهم هو التواجد ضمن توليفة مغرية، مع أسماء مثل ماجد الكدواني وآسر ياسين ومنّة شلبي. هؤلاء ممثّلون يشبهوني في التفكير والتوجّه. أرتاح في العمل إلى جانبهم. الفيلم لم يُعرَض بعد، لكنّي أعوّل عليه. عموماً، أنا متفائل بالقادم.

منذ «بصرة» (2010) لأحمد رشوان لم نشاهدك في السينما المستقلة
لأنّي ركّزتُ على التلفزيون والنّوع التجاري. المفارقة أنّك تسألني الآن، فيما أعود هذا العام إلى هكذا مشاريع. هناك عدد من الأفلام، أترك الإعلان عنها لوقتها. هذا النوع يحقق متعةً وإنعاشاً للممثّل.

هل يهتمّ الفنان بتحقيق الأمان المادّي والانتشار أولاً؟
لا شكّ في ذلك. الأمان الماديّ ضرورة. لن أكذبَ بالقول إنّني لا أقبل سوى ما يناسبني فنيّاً. هذا النوع من «البوهيميّة»، غير مجدٍ على أرض الواقع. وليام دافو قال يوماً: «أحياناً أمثّل، وأحياناً أعمل». أحاول تقديم اقتراح تمثيلي محترم، حتى عندما «أعمل».


ماذا عن الأردن في حساباتك اليوم؟ هل يمكن أن تعمل في أفلام أو مسلسلات أردنيّة مجدّداً؟
الممثّل ليس لاعب كرة قدّم، يلعب بعلم بلده على صدره. هذا مشروع فرديّ بالدرجة الأولى. بالنسبة إلى الأردن، أتمنّى أن أعمل هناك مجدّداً، ولكن بشروط واعتبارات مدروسة. قيمة العمل. مدى الإضافة التي يقدّمها. حسابات التسويق والانتشار.

هل ينسحب الكلام على الدراما السوريّة، التي عملتَ فيها سابقاً؟
بالتأكيد. نحن بالفعل نتحدّث في مشروع محدّد، قد ينفّذ قريباً.

هل صحيح أنّك بصدد لعب «بليغ حمدي» في عمل عن حياته؟
لا أفضّل الحديث عن مشاريع لم أوقّعها بعد. ثمّة حديث جديّ عن مشروع بليغ حمدي. سنرى كيف تسير الأمور.

ما الجديد الآن؟
تتم كتابة مسلسل للعرض خارج موسم رمضان بعنوان «شبر ميّة»، مأخوذ عن فورما أجنبيّ. أنا متفائل به. هناك أفلام أيضاً، أعلن عنها بعد التوقيع.