باريس | بعد مرور 14 عاماً على تدشين ساحة تحمل اسم موريس أودان (1932-1957) في الضاحية الباريسية الخامسة، عاد الحقوقيون والمثقفون والسياسيون الفرنسيون إليها أمس في ذكرى اعتقاله عبر تجمع تاريخي طالبوا فيه الحكومة الفرنسية بالاعتراف رسمياً بتعذيب أهم مناضل فرنسي في الثورة الجزائرية وهو في الخامسة والعشرين من عمره، واعتبار اغتياله من قبل فرقة «المظليين» وإخفاء جثته جريمة دولة.

عمل فنّي للفنان الفرنسي الملتزم أرنست بينيون أرنست (الجزائر 2003)

وقد وقّع أكثر من 50 شخصية سياسية وثقافية فرنسية وجزائرية بياناً نشرته جريدة L'Humanité قبل أسبوعين دعوا فيه الرئيس الفرنسي الحالي إلى إنصاف قضية هذا المناضل المفقود و3024 جزائرياً، أوقفوا خلال أحداث معركة الجزائر (كانون الثاني/ يناير إلى أيلول/ سبتمبر 1957)، ثم لم يظهر لهم أي أثر إلى يومنا هذا. ومن بين الموقّعين على البيان: الكاتب جيروم فيراري صاحب جائزة «غونكور» 2012، وزيرة الثقافة السابقة أوريلي فيليبيتي، النائب الأوروبي باتريك لوهياريك، التشكيلي ارنست بينيون ارنست، المؤرخ بنجامين ستورا، السينمائي ميشال فيفاني، الكاتب والصحافي الجزائري عدلان مدي، الباحثة الجامعية كريمة أملال، المخرج مهدي العلوي ورئيس جمعية «موريس أودان» بيار مانسا الذي يقول لـ«الأخبار»: «هدفنا تأكيد مسؤولية الجيش عن مقتل أودان مع آلاف الجزائريين خلال الظروف نفسها. تصريحات ماكرون لصحيفة «لومانيتي» في شباط (فبراير) الماضي حين أبدى استعداده للاعتراف بجريمة الدولة إذا توافرت أدلة تثبت ذلك، منحتنا أملاً أكبر. وقفتنا اليوم (أمس) تهدف إلى إبقاء شعلته متقدة، لكنني قلق نوعاً ما. بعد لقائنا أخيراً بمستشاري الرئيس، أبلغونا بمساعيهم لجمع الأدلة ووعدونا بمساءلة الشهود الذين عايشوا تلك المرحلة. بالنسبة إلينا، كل هذا مضيعة للوقت، لأن الحقيقة معروفة منذ انفجار القضية عام 1958، والجلاد لم يترك وراءه أي دليل يدينه». وكشف مانسا عن نصب تمثال لأودان في «مقبرة العظماء» في باريس في أيلول المقبل».
50 شخصية ثقافية وقّعت بياناً دعت إلى إنصاف قضية هذا المناضل المفقود


وكان هؤلاء الناشطون الفرنسيون قد ذكّروا ماكرون في رسالتهم، بانتظار جوزيت أودان (87 سنة ـ أرملة موريس) من «بلد حقوق الإنسان» التنديد رسمياً بالتعذيب الممارس خلال الثورة الجزائرية الذي كان ضحيته زوجها أيضاً. إذ منحت الدولة الفرنسية ودوائرها السياسية آنذاك الضوء الأخضر لجنودها لقمع الثوار بكل الأساليب. وكذّب الموقعون على البيان، الرواية الرسمية التي تروّج بأن أستاذ الرياضيات في جامعة الجزائر فرّ بعد عشرة أيام من اعتقاله ليلة 11 حزيران (يونيو) 1957 حين اقتحم بيته رجال الجنرال ماسو الذي قاد معركة الجزائر، وضرب بيد من حديد عناصر جبهة التحرير الوطني والمناضلين الشيوعيين الفرنسيين والجزائريين. واستدلوا في رسالتهم بالتحقيقات التي أنجزها المؤرخ بيار فيدال ناكي صاحب كتاب «قضية أودان» (1958)، وأثبت تعرض زميله للتعذيب الوحشي ثم اغتياله من قبل الجيش الفرنسي. لكن بسبب القانون الصادر عام 1962 الذي يعفي بموجبه القادة العسكريين من الملاحقة القانونية، أقفلت القضية من قبل أعلى هيئة في الدولة ليتم التستر على جرائم الاستعمار الفرنسي خلال الثورة الجزائرية. وهذا ما حبس ــــ وفق الموقعين على البيان ـــ الشباب الفرنسي المجند آنذاك داخل قضبان من الصمت والعار. وستظل ذاكرة الشعبين مسكونة بأهوال تلك الحرب ما دامت الحقيقة مكتومة. كما استذكر هؤلاء التطورات التي حدثت في هذا الملف، بدءاً بتصويت البرلمان الفرنسي سنة 1999 على قرار يعترف بموجبه رسمياً بحرب الجزائر، بعدما ظلت توصف بمجرد أحداث أو عمليات للحفاظ على النظام، وصولاً إلى تقديم 12 شخصاً شهادتهم على التعذيب عبر بيان نشرته الصحافة الفرنسية عام 2000. وفي عام 2014، اعتبر الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا أولاند فرضية هروب أودان «كذبة» دولة، مضيفة أنّ المناضل قضى فعلاً خلال اعتقاله. وتنتظر هذه الشخصيات الفرنسية وفاء الرئيس ايمانويل ماكرون بوعده بتسوية فعلية لهذه الحقبة من التاريخ، ورأوا أن الوقت قد حان، ولا سيما أنّ القضية تتصدر الرأي العام حالياً.
وفي شباط (فبراير) الماضي، جددت أرملة أودان خلال ندوة في البرلمان الفرنسي شهادتها حول ظروف اعتقال زوجها واختفائه، ليعلن عدد من النواب؛ بينهم عالم الرياضيات سيدريك فيلاني ممثل حزب الجمهورية إلى الأمام، تشكيل لجنة تحقيق برلمانية حول القضية، وانتزاع اعتراف رسمي من الدولة بالجريمة أمام الرأي العام وفق ما صرح به النائب عن الحزب الشيوعي الفرنسي سيباستيان جومال.



وقائع التعذيب والاختفاء
بدأ التحقيق بعد أيام قليلة من اختفاء أودان على يد المؤرخ بيار فيدال ناكي الذي كذب في تقريره ادعاءات الجيش، ثم شهادة المناضل الشيوعي ومؤسس صحيفة «الجزائر الجمهورية» هنري علاق الذي أكد لقاءه مع رفيقه موريس خلال اقتياده إلى معتقل في الأبيار في الجزائر العاصمة.
هناك، رآه منهكاً وممدداً على طاولة التعذيب شبه عار. وقد شدت أذنه اليمنى وقدمه اليسرى بالأسلاك الكهربائية. ووثق هنري هذه الشهادة في كتابه «السؤال» (1958) الذي كتبه على ورق الحمام وهرّبه محاموه من السجن لينشر ويوزع في فرنسا. ثم طفت القضية إلى السطح سنة 1983 حين أقر مرسوم وزاري بتعويض أرملة أودان وأبنائها الثلاثة مادياً.
أمر وصفه الابن بيار (1957-) بمحاولة هرب الدولة من مسؤوليتها، ثم اعتراف الجنرال بول أوساريس في كتابه «شهادتي حول التعذيب» (2001). كما قدم شهادة أخرى قبل أيام قليلة من موته، كاشفاً عن مقتل موريس بطعنة سكين في القلب. وتعمّد ذلك لإلصاق التهمة بـ«العربي» في حال العثور على جثته، فيما ترفض أرملة أوساريس تسليم أرشيف زوجها حتى لوزارة الدفاع. أما في عام 2009، فقد رفضت الابنة ميشال أودان (1954-) تسلم وسام الشرف تقديراً لأبحاثها في علوم الرياضيات من الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، وبررت موقفها بتجاهل رسالة والدتها.
ثم أصدرت كتاب «حياة قصيرة» عام 2013 تروي نضال عائلتها في سبيل الكشف عن الحقيقة. كما نشرت صحيفة «لو نوفيل أوبسرفاتور» عام 2011 أرشيف العقيد غودار الذي أكد أنّ ملازماً يدعى جيرار غارسي هو من نفذ عن طريق الخطأ أوامر أوساريس، فقتل موريس بدلاً من علاق.
هذا ما ورد أيضاً في كتاب للمؤرخ جان شارل دانيو صدر عام 2014. وقد شهدت القضية مفترقاً كبيراً إثر شهادة مجند سابق في الجيش الفرنسي يدعى جاك جوبييه (82 سنة) نشرتها صحيفة «لومانيتي» في 14 شباط (فبراير) 2018. إذ كشف الشاهد عن دفن موريس أودان بيديه، وأبدى استعداده للذهاب إلى منطقة خميس الخشنة على بعد 30 كلم شرقي العاصمة الجزائر ليدل على قبره. من الجانب الجزائري، لم تفتح السلطات على مدى خمسة عقود أي تحقيق حول القضية، ولم تنقّب عن جثة أشهر وأشجع شهيد مات في سبيل استقلالها. شهيد تصفه في كتبها التاريخية الرسمية بـ«صديق» ثورتها، فيما كشف بيار مانسا أنّه إذا عثر يوماً على جثمان هذا المناضل المفقود، فإن جوزيت وأبناءها سيختارون بلا تردد أن يدفن في تراب وطنه لأنه اعتبر نفسه جزائرياً.
فائزة...