في لحظةٍ ما؛ حشر الجمهور اللبناني أمام «تلفزيون لبنان». هو المونديال إذاً، ولا شاشة تغطّيه «ببلاش» إلا شاشة التلفزيون الرسمي. تحب الطبقات الشعبية والوسطى في لبنان التلفزيون الرسمي. ربما هي علاقةٌ نوستالجية مع تلفزيون يمتلك تاريخاً يذكرهم بالماضي الجميل. في الوقت عينه؛ لم يكن «تلفزيون لبنان» مستعداً لمواجهة استحقاقٍ مماثل: لا الإمكانيات التقنية (Graphics) حاضرة، ولا التعليق، ولا استديو التحليل يمكنه إعطاء المشاهد ما يريده بحق، خصوصاً المشاهد المعتاد على قنواتٍ رياضية «احترافية».

لا يمكن إلا أن يكون المرء شاكراً في البداية لفكرة أنه سيتمكن من مشاهدة المونديال من دون أن يكون مجبراً على دفع ما لا طاقة له به للشركات التي تعرض المونديال. لكن في المقابل، فإن هذه الشركات (ونعني Bein Sport) تقدم لمشاهدها استديو تحليل محترفاً، وصورة HD، وفوق كل هذا معلقين متمرسين يعرفهم المشاهد ويشهد لهم بحرفتهم وكفاءتهم في تغطية الأحداث الرياضية/ الكروية المهمّة، فكيف إذا كان الحديث هو «كأس العالم» أهم حدث كروي في العالم بأسره؟ في هذا الإطار بالذات: لم يكن «تلفزيون لبنان» قادراً على المنافسة بشيء.
إلى يسار الشاشة، ظهر «الغرافيك» الذي استخدم في استديو التغطية المباشرة للمونديال، خصوصاً مع «أنموذج» كأس العالم المصنوع بواسطة الكومبيوتر الذي «يتحرّك ببطء» في استديو التحليل، ويختفي حالما يتحدّث المعلّق/ المحلل؛ في الوقت الذي يظهر خلفه إذا ما استعمل المخرج الصورة الـWide لإظهار الاستديو كاملاً. كل هذا كان يمكن للمشاهد التغاضي عنه لولا الكارثة التي اسمها «التعليق»! بدا أن المجموعة الموجودة في الاستديو لا تمتلك الحرفة الكافية، فوقع كلٌ من إيلي قسيس، محمد كركي، وعلي حداد في فخ عدم معرفة أسماء اللاعبين والمعلومات المغلوطة. نقل أحدهم نهائي كأس العالم في 1998 من منطقة سان دوني الفرنسية إلى ملعب الأمراء (بارك دي برنس)؛ فيما ظل الثاني يصرخ بتوتر وبصوتٍ مرتفع عند كل كرة حتى ليعتقد المشاهد بأنَّ هناك أهدافاً قد دخلت وهو لم يشاهدها. الأمر نفسه انسحب على استديو التحليل الذي بدا أنه يفتقد لأوليات الحرفة: غاب المدرّبون الكبار، والصحافيون الرياضيون المعروفون، واللاعبون النجوم، وتم الاكتفاء بلاعب واحد ومحلل واحد، بالإضافة إلى مديرة الحوار في الاستديو الصحافية الرياضية ريان مسلّم التي تمتلك حتماً ثقافة رياضية ومعلومات جيدة؛ ولكنها تبدو في لحظاتٍ كثيرة «باردة» تفتقد لـ «الحماس» المطلوب لإدارة هذا النوع من الحوارات. غياب الحماس تجلّى خلال تغطية مباراة فرنسا واستراليا أول من أمس، إذ شاهدنا أحد ضيوف الاستديو ينظر حوله ويتلّفت يمنةً ويساراً حين يكون الضيف الآخر يتحدّث.

ريان مسلّم تمتلك حتماً ثقافة رياضية؛ لكنها بدت «باردة» خلال المباريات

طبعاً، هنا كان ممكناً تلافي هذه الأخطاء الهائلة في الغرافيكس والاستديو، لو كان المعلقون على قدر المتوقع. لكنّ أخطاءهم تركت أسئلة لا إجابات لها: أولاً أليس من الطبيعي أن يجلس كل معلّق قبل كل مباراة ليدرس الفرق التي سيعلّق على مبارياتها؟ أليس سهلاً مثلاً حفظ أسماء اللاعبين لإعطاء المشاهدين معلوماتٍ صحيحة ودقيقة بعيداً عن «اللاعب أبو الفانيلة الزرقا» أو «لاعب منتخب المغرب رقم 10»، ناسياً أو متناسياً أننا جميعاً ــ كمشاهدين- يمكننا رؤية فانيلة اللاعب ورقمه، فيما مهمته هو أن يخبرنا هوية اللاعب وقليلاً من تاريخه مثلاً؟ أليس من المفترض أن يجهد المعلقون أنفسهم ولو قليلاً، كأن يفتحوا بعض مواقع «الإحصائيات» الكروية لإعطائنا نحن المشاهدين، قليلاً من إحصائيات قد لا نحتاجها وقد لا تعني لنا شيئاً، لكنها باتت جزءاً من التعليق على كرة القدم الحديثة؟ ألا يجب عليهم إخبارنا قليلاً عن «مغامرة» هذه الفرق للوصول إلى كأس العالم ومشوارها في التصفيات؟ غاب كل هذا أمام الإصرار على تذكيرنا بأن «كأس العالم عنا» عند كل لحظة، فضلاً عن الإشارة بشكلٍ دائم لأي ذكر عنصر «لبناني» في هذه الكاس أياً كان: مثلاً، كرّر أحد المعلّقين أن زوجة جياني انفانتينو رئيس الفيفا لبنانية، وعاد زميله ليكرّر أن أحد اللاعبين الإستراليين ويدعى أندرو نبّوت «أصله لبناني»، لكنه «فضل» اللعب مع منتخب أستراليا على بلده الأصلي. وكرر ذلك مراراً وتكراراً كما لو أنّه اكتشف البارود، مع العلم بأنّ لا أحد يعنيه جنسية زوجة انفانتينو، ولا جنسية نبوت ذي المستوى الأقل من عادي. كان المعلّق يذكرنا بهذه المعلومات بانبهار كما لو أنّه إنجازٌ علينا كمشاهدين أن نفتخر به.
إلى جانب الاستديو، تكرر الأمر: ما هي المشكلة في دعوة ثلاثة أو أربعة من مدربي كرة القدم المعروفين في لبنان إلى الاستديو التحليلي، خصوصاً أنه لدينا في لبنان على الأقل 20 مدرباً يمتلكون الكفاءة والحرفة، فضلاً عن عدد كبير (فوق العشرين بالتأكيد) من اللاعبين المخضرمين الذي يمكنهم المساعدة في هذا الأمر؟ يمكن القول بأن هؤلاء سيأتون للقيام بهذا «الواجب الوطني الجميل» وبلا مقابل لأنّ معظم هؤلاء المدربين/ اللاعبين يأتون من بيئات متوسطة وشعبية. لذلك، هم يفهمون سحر اللعبة وأهمية كأس العالم بالنسبة إلى الناس العاديين. الأمر الآخر: هل كان صعباً مثلاً استضافة حكم أو اثنين من الحكام المحليين أو الدوليين اللبنانيين المشهود لهم بالكفاءة (أو اختيار حكم دائم في الاستديو منهم) للتعليق على «أحداث المباراة» وإعطاء المشاهدين رأيه في الأمور التي حدثت؟ ما هي الصعوبة في تحقيق ذلك؟ ماذا لو حلمنا أكثر بوجود شاشة «لوح» عادي كالذي يستعمل في «صفوف كثير من الجامعات والمدارس» وشرح كل تفاصيل المباراة عليه؛ فهل يكون طلبنا بالكثير؟
نعم، يعرض «تلفزيون لبنان» كأس العالم بلا مقابل على شاشته؛ التي هي شاشة الوطن بأكمله. لكن في الوقت عينه، يعرضه بلا حرفة ولا احتراف لا شأن للإمكانيات بها. أن يجيد المعلقون حرفتهم، وأن يصبح الاستديو التحليلي خلية نحل، وأن تنفعل ريان مسلّم وتتفاعل مع الأحداث وتتأثر بها ولو قليلاً كي نشعر نحن المشاهدون بأهميتها، ذلك أضعف الإيمان؛ وأهمه. إذا ما حصل كل هذا، ساعتها سيفضّل المشاهد «تلفزيون لبنان» على أهم محطات الرياضة العالمية لأنه أولاً وآخراً: إنّه تلفزيون الوطن.