إخفاقات

الهيبة... العودة


أقصي السيناريست السوري هوزان عكّو عن الجزء الثاني من «الهيبة» (كتابة باسم السلكا، وإخراج سامر البرقاوي)، فآثر الصمت، تماشياً مع شخصيته المهادنة. عموماً، النتيجة بالنسبة إلى الجزء الجديد كارثية، لأنّه عبارة عن تجميع «بوجقات» شبيهة بـ«باب الحارة»، لكن مع استبدال ذكي للخناجر بالبواريد، التي لم تتوقف عن إطلاق الرصاص طوال 30 حلقة، إلى درجة أنّ بطل الحكاية (تيم حسن) اقتحم بيت غريمه «أبو سلمى» (رفيق علي أحمد) وهو يحمل صاروخاً على كتفه. لم يسبقه إلى ذلك حتى «سوبرمان»! من جانب آخر، قرّر صنّاع العمل تكثيف حالة الحوار المبتذل بغير سياق ولا تبرير، إلى جانب فجاجة اللازمة الكلامية التي لم يبرأ منها لسان البطل طوال الوقت. بضع دقائق من العرض كانت كفيلة بإطاحة الحامل الدرامي للحكاية، على اعتبار أنّها عادت بالزمن إلى الوراء، ليس لفتح عوالم وشخصيات جديدة، بل للاستعانة بماضي شخوص الجزء الأوّل، وترك مستقبلها مكشوفاً للمشاهد من دون فضول أو تشويق، مع الاتكاء على «التجغيل». هكذا، كنّا أمام مطبّ فجّ، لكنه أعطى أصحاب المسلسل المزيد من الثقة بأنّهم «يطرّزون الفن»، إلى درجة أنّ المخرج سامر البرقاوي قال إنّه أوّل مخرج في العالم «يعود بعد جزء كامل إلى الوراء»! كذلك، أطّل تيم حسن على mbc مسكوناً بهاجس «جبل» حتى في إجاباته، وهي الحالة نفسها التي أصابت سامر المصري «عكيد حارة الضبع» بعد النجاح الجماهيري لأجزاء «باب الحارة» الأولى!

«الواق واق»


لا يمكن تصنيف مثل «الواق واق» (كتابة ممدوح حمادة، وإخراج الليث حجو، وإنتاج «إيمار الشام») ضمن أسوأ أعمال الموسم، لكنّه كان بمثابة خيبة بسبب رفع سقف توقّعات المطلوب منه. عموماً، يشفع للعمل حجم الجهود المبذولة، والكلفة الإنتاجية الواضحة، والمحاولات الحثيثة لدى الكاتب لالتقاط بنية إسقاطية توزّع على مفاصل الحرب السورية، علّها تخرج بملخّص مكثّف عن «17 رجلاً وامرأة هربوا بأحلامهم إلى قلب العاصفة»، ربمّا يمثلون غالبية شرائح الشعب السوري. هذا بالإضافة إلى الجهود التمثيلية، ومحاولات الاجتهاد الإخراجية، والعناصر الفنية المكمّلة. لكن هذا لم يوفّر صدمة لدى المشاهد الذي هيّأ نفسه للضحك أمام بضاعة صانعي «ضيعة ضايعة»، فوجد نفسه متورّطاً أمام اشتغال عميق على البعد السياسي، والانكفاء نحو البحث عن المعادلات الموضوعية لكلّ ما حدث ويحدث في سوريا خلال سبع سنوات عجاف، مع نسيان تام للكوميديا. هكذا، لم يتمكّن المسلسل من إضحاك مشاهديه، إلى جانب سيطرة الطبيعة الساحرة على حصة واسعة من عين الكاميرا، وغياب وحدة أداء الشخصيات المنقسمة بين الـ«فارس» والواقعي، ومواجهة نجوم العمل لمطبّات التهريج المبالغ، أو إعادة تكرار ما قدّموه سابقاً، ولوازم كلامية وحركية ساهمت في حالة الإسفاف. على مدار 30 حلقة، ذهبت شخصيات بأكملها نحو التسطيح وغياب فعلها أو تطورها الدرامي.

خبصة «مؤسسة الإنتاج»


بالنسبة إلى المسلسلات التي أنجزت داخل سوريا، صار لا بد من الإشارة إلى التهالك المهين في أعمال «المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي» كأنّها صارت محترفة في تبديد المال العام. بدل أن تنجز مسلسلين كل عام بسوية مقبولة، تلهث وراء الكم على حساب النوع. هذا العام، أنجزت أربعة أعمال، أوّلها «ترجمان الأشواق» (كتابة بشّار عباس وإخراج محمد عبد العزيز) فمنعته الرقابة لأسباب نكشفها في مقال ينشر قريباً. الثاني هو «روزنا» (تأليف جورج عربي، وإخراج عارف الطويل/ الصورة). ورغم ما حققه من متابعة محلية، يعتبر العمل متواضعاً بسبب مشاكل إخراجية فجة وضياع اللهجة الحلبية، وإسناد أدوار بطولة لممثلين لا يجيدون حمل دور رئيس أو وقف تطوّر الفن الأدائي عندهم في مرحلة التسعينيات! عموماً، يبقى المسلسل الذي واكب قصة أسرة حلبية مهجّرة أفضل بأشواط من بقية إنتاجات القطاع الرسمي. إذ أجهز المشهد الافتتاحي من «رائحة الروح» (كتابة أيهم عرسان، وإخراج سهير سرميني) على جميع مشاهديه رغم قلتهم. كأنّنا أمام فريق فني لا يعرف كيف يدير الكاميرا! هكذا، يفتتح العمل بمشهد لشخص يستقبل شيئاً نازلاً من السماء، وإذا به طائر حمام يحط على يد الممثل ثم يطير بشكل عكسي؟! كأننا أمام مشهد هارب من الخيال العلمي. الفرضية مقبولة مقارنة بفكرة وجود طبيبة نفسية في «فرع الأمن الجنائي» في مسلسل «وهم» (سليمان عبد العزيز ومحمد وقّاف). الثيمة المحنطة أرخت بظلالها على كامل تفاصيل المسلسل، فكنا أمام وجبة لا يمكن هضمها وخاصة على صعيد الاستعراض التمثيلي!

نجاحات

«آلة» تمثيل


منذ تخرّجها في «المعهد العالي للفنون المسرحية» في دمشق سنة 2011، لفتت دانا مارديني مشاهديها بأداء احترافي متجدّد. هذا الموسم، وعلى الرغم من انحدار مستوى القصة التي قدّمها مسلسل «تانغو» (عن مسلسل أرجنتيني ــ تعريب إياد أبو الشامات وإخراج رامي حنّا)، إلا أن النجمة السورية قدّمت أداء متماسكاً ورشيقاً بصيغة جذّابة عن المرأة المهزومة «لينا» التي تكتشف في لحظة مفصلية خيانة زوجها لها مع صديقتها المقرّبة. هكذا، راحت بطلة «سنعود بعد قليل» (رافي وهبي والليث حجو) تتكئ على مخزونها من الأداء المسرحي بمنظور تلفزيوني مقنع وفق ضبط إخراجي صارم، إضافة إلى أنّها لمعت في مشهد «ماستر» عندما جرّبت إنهاء حياتها بطلقة مسدس زوجها الذي عجزت عن قتله... في هذا المشهد تحديداً، برزت قدرات مارديني على إنجاز رد فعل أدائي، معتمدة على عضلات الوجه بطريقة ميكانيكية، وكأنّها آلة تمثيل! تتقاطع سويّتها الحركية مع حالتها النفسية، إضافة إلى مجموعة من المشاهد لتقلبّات مزاج سيّدة مدمنة على الكوكايين، تصارع بين نقيضَين، أحلاهما مرّ. أوّلهما، بقاؤها على قيد حياة مسوّرة بالإحباط والخذلان والغدر، وثانيهما ترك ابنها وراءها وحيداً، والرحيل الأبدي بجرعة مخدّر زائدة، أو برصاصة من مسدّس الرجل الذي وصل وأوصلها إلى مكان أشبه بالموت السريري!

آخر صعاليك الشّام


أن نقول عن عبد المنعم عمايري «الجوكر» فهذا لا يعني أنّنا اكتشفنا البارود، وخصوصاً بعد مشوار حافل بالتمثيل والإخراج المسرحي، ودرب طويل من الاحترافية وتراكم الخبرات. سبق له أن قدم دور الصعلوك (رضا) المشرّد الواقف على حدود الجنون، كرمى حبّه لزوجته التي طلّقها حرصاً على مستقبلها مع رجل آخر كونه سجيناً مجهول المصير. كان ذلك في أوائل الأعمال التي أطلقت شهرته أي «أسرار المدينة» (كتابة حسن سامي يوسف ونجيب نصير وإخراج هشام شربتجي ــ 2000). اليوم، يعود ليقدّم شخصية من نسج خيال الكاتبين ذاتهما، لكن أمام كاميرا مواطنه سمير حسين. في «فوضى»، لعب دور «زيدان»، المزيج المترف بالتناقضات، لا تنقصه الطيبة، لكن تغلب عليه «النمردة» والتهوّر. يردّد لازمته المفتاحية التي اجتهد على الاعتصام بها: «جيناكم حفايا عرايا كاسيين الراس»، فينجز نموذجاً واقعياً عن الصعلكة الدمشقية التي تحرّض على الضحك مهما أوغلت في الميلودراما. يتفرّد العمايري بأداء شوارعي، من دون أن ينقصه العمق والشغل على الجانب الداخلي بإيقاع موزون، عندما يحتاج الأمر إلى وقوف صارم لحظة إنهاء جردة حساب سريعة مع سجلّ حياته الحافل بالويلات، عند أحد الحواجز التي تسوقه إلى الخدمة الاحتياطية. حينها، يُخرج حبّة بندورة ويبدأ بأكلها، مستحضراً ذاكرته القريبة، قبل أن تنهمر دموعه في أحد أكثر المشاهد واقعية هذا الموسم!

نكهة الموسم!


سمة هذا الموسم هي الإجماع المطلق على موهبة فادي صبيح، واستثنائية دوره في مسلسل «فوضى» (تأليف حسن سامي يوسف بمشاركة نجيب نصير، وإخراج سمير حسين). منذ أن وصل النص إلى سمير حسين، قرّر أن يسند دور «أبو الخيل» إلى صبيح. تردّد الأخير أمام هذه الفرصة. وعندما قرّر خوضها، أقفل هاتفه واعتكف ثلاثة أشهر متواصلة. قرأ الورق بنهم وتحليل. ولدى إجاباته عن اتصالات أصدقائه في فترات الاستراحة، كان يخبرهم بأنّه يدرس تحضيراً لامتحان صعب! فهم بنية الشخصية وجوهرها النفسي، وفكّك تركيبتها المتضاربة بين متناقضات حادة. ثم جهّز لها ردود أفعال تناسبها، بين ذروة الغضب والمرجلة، وزهوة الارتباك، وسقف الشهامة، وكذلك سطوة المتمكّن من أدواته ووجوده، يليها رفعة الحب والمشاعر الإنسانية الموغلة بالتعاطف والانسجام مع «وصال» (لعبت ديمة قندلفت الدور ببراعة واحترافية). قبل التصوير، داوم صبيح في محلّ «كومجي» متنكراً لأكثر من عشرة أيّام، خضع فيها لدورة مكثفة على هذه المهنة، والتقط روح العاملين فيها، قبل أن يستكشف مفرداتهم وأشكالهم الخارجية، ثم يسبك مفاتيح الشخصية اللامعة ويدمغها بلازمة «عمّنا» التي كانت مفردة الموسم. طبعاً، سمع ملاحظات المخرج بفهم، وعرف أنّ «أبو الخيل» هو الحامل الرئيس لـ«فوضى». فإن مرّ بسلام، نجح العمل، وإن فشل سيتهاوى كلّ شيء، فإذا به يحصد إجماعاً هائلاً.