القاهرة | من بين عشرات المسلسلات التي شهدها موسم رمضان هذا العام، سيبقى في ذاكرة الدراما المصرية عدد محدود منها، تراوح مكانته في هذه الذاكرة حسب ذوق المتفرّج وذائقته.

من ناحية الشعبية التي تقاس بالكم وعدد المشاهدين للعمل على الشاشات أو الإنترنت، برزت أعمال الأكشن وعلى رأسها «كلبش»، و«نسر الصعيد»، و«رحيم»، و«اختفاء»، والأعمال الكوميدية وعلى رأسها «أرض النفاق»، و«الوصية»، و«عزمي وأشجان»، و«ربع رومي»، و«خفّة يد»، بالإضافة إلى مسلسل «عوالم خفية» لعادل إمام الذي يحتفظ بنسبة كبيرة من جمهوره مهما كان مستوى العمل الذي يقدّمه. وقد نجح النجم الأكثر شهرة ونجاحاً في تاريخ السينما العربية، والذي يقترب من عامه الثمانين، في العثور على نصّ وشكل جديدَيْن استعاد من خلالهما نسبة كبيرة من شعبيته التي فقدها بسبب تواضع مستوى أعماله التلفزيونية الأخيرة.

عمرو يوسف في مشهد من «طايع»

من الناحية الفنية التي تقاس بمدى ما وصل إليه صنّاع العمل من إبداع وإتقان، برزت أعمال مثل «ليالي أوجيني»، و«طايع»، و«أبو عمر المصري»، و«بالحجم العائلي»، من دون أن نغفل أنّ هذه المسلسلات أيضاً لا تسلم من ملاحظات أو انتقادات قد توجّه إليها.
بشكل عام، هناك تقدّم تقني ملحوظ في عناصر السيناريو والتصوير والتمثيل وتصميم المعارك، لكن من ناحية ثانية هناك عناصر لم تتطوّر بالدرجة نفسها مثل المونتاج والصوت والديكور.
السيناريو الأكثر إثارة للجدل هذا العام كان لـ «طايع» الذي شارك فيه الأخوة محمد وخالد وشيرين دياب، بالإضافة إلى المخرج والسيناريست الشاب عمر خالد. أي أربعة من شباب السينمائيين المصريين الواعدين، ومعهم مخرج العمل عمرو سلامة، أحد أبرز أسماء صنّاع السينما المستقلّة، وهو أيضاً كاتب سيناريو متميّز.
الرهان في «طايع» كان طموحاً للغاية، وهو كتابة ثلاثين حلقة مكثّفة تمتلئ بالأحداث والمفاجآت والتشويق بطريقة السينما. وللحق، نجح صنّاع العمل في تحقيق إيقاع سريع، ومشوّق، حتى أنّ المشاهد الذي تفوته حلقة، أو حتى مقطع داخل حلقة، قد يفقد الكثير من الأحداث المهمّة، وهذا إنجاز كبير وغير مسبوق في الدراما المصرية البطيئة التي تعتمد على المط والتكرار بطبعها!
هذا الإنجاز لم يكن بلا مقابل. السرعة وكثرة الأحداث ليست ميزة في حدّ ذاتها، لأنّها قد تخلّ ببناء العمل وتوازنه، وربّما تتحوّل إلى عيب إن لم يصحبها «إشباع» مناسب فيفقد المشاهد قدرته على التصديق والاقتناع.
التركيز على كثرة الأحداث وسرعتها أكثر من اللازم أدّى إلى صعوبة إحساس المشاهد بالمسار الكلّي للدراما في بعض الحلقات التي ركّزت على مغامرات البحث عن الآثار ومحاولات الشرطة للإيقاع بالتجّار، كما ولّد في حلقات أخرى حالة من الصدمة وفقدان المعايشة مع العمل بسبب عدد القتلى، أو إلى إنجاز بعض المشاهد على عجل من دون أن تنال حظّها من الإتقان، مثل المعركة الكرتونية بين «طايع» (عمرو يوسف) وعائلة «حربي»، والتي يصاب البطل على إثرها بطلق ناري ثم يتعافى بعد ساعات!
على أي حال، سيبقى لـ «طايع» أنّه أثبت أنّ الدراما التلفزيونية ليست بالضرورة بطيئة وقليلة الأحداث، كما سيبقى له جرأته الفنية، وتعبيره القوي ليس فقط عن مشكلة الثأر، ولكن عن «حرب الطوائف» السياسية التي دمّرت العالم العربي!
على الجانب الآخر، هناك «ليالي أوجيني» الذي عاب عليه البعض «البطء وقلّة الأحداث»، لكنّه عمل غير مسبوق أيضاً في تركيزه على تحقيق الهارموني بين عناصره الفنية وحالة من «الإشباع» التعبيري، بالإضافة إلى التعبير عن تيمة فلسفية وشعرية تتجاوز فكرة القصة والموضوع، وتذكّر بفيلم In The Mood For Love للمخرج الصيني وونغ كار واي.
غلب على الأعمال الكوميدية النمطية الشديدة والإخراج التقليدي


هذه التيمة هي الشجن الناتج عن الحب المستحيل، وعن استحالة استعادة الماضي. وبالمناسبة الشجن شعور شرقي أصيل، والكلمة لا مرادف دقيقاً لها في معظم اللغات، ومع أنّ الحكايات في «أوجيني» نمطية، ومع أنّ بناءه مقتبس، إلا أنّ تعبيره عن هذا الشجن فريد وجديد في الدراما المصرية.
بالرغم من مشاهدتنا لمعظم حلقات «أبو عمر المصري» (سيناريو وحوار مريم نعوم) وإعجابنا بالكثير من عناصره الفنية، إلا أنّ حاجزاً بقي بيننا وبين العمل من دون أن نعرف السبب. كنا نعتقد في البداية أنّ الأمر يعود إلى القصة التي تعتمد على نصين روائيين للكاتب عزّ الدين شكري فشير، لم نقتنع بهما يوماً، خصوصاً «مقتل فخر الدين» التي ينطبق عليها تعبير قديم للناقد محمد مندور: «خواطر اليافعين»!
لكن حتى بعدما نجح سيناريو «أبو عمر المصري» في استخلاص بناء ذكي ومسار درامي واضح من الروايتين، بقي الحاجز تجاه العمل إلى أن تأكّدنا أنّ سببه هو الكاستينغ غير الموفق تماماً، خصوصاً لناحية اختيار أحمد عز وأروى جودة. فبالرغم من نجوميّتهما وكفاءتهما، إلا أنّنا لم نصدّق أيّاً منهما في الشخصية التي يؤديها، لأنّهما غير مناسبين سنّاً أو شكلاً بوجهيهما اللذين كساهما التجميل، لا سيّما عز الذي لا يستطيع التعبير سوى عن شعورَيْن اثنَيْن لا ثالث لهما: الغضب والسخرية!
لولا هذا الحاجز لكان لـ «أبو عمر المصري» شأن آخر بفضل جرأة نصه والجهد الإخراجي الكبير الذي بذله أحمد خالد موسى.
أما «بالحجم العائلي» للمخرجة هالة خليل، فمهما قيل عن بعض مثالبه وأوّلها عدم وضوحه النوعي: هل هو كوميديا أم تراجيديا عائلية؟ إلا أنّه يحقّق شيئاً جديداً أيضاً على الدراما المصرية وهو «المكان». هذا العنصر الغائب عادة حتى في الأعمال التي تدور حول تيمة المكان مثل «ليالي الحلمية» أو «أرابيسك». نجح «بالحجم العائلي» أوّلاً في اختيار المكان، وثانياً في استغلاله ليكون جزءاً أساسياً من الدراما نفسها التي لم يكن من الممكن تصديقها لولا المكان الذي تدور فيه!
بالنسبة للأعمال الكوميدية المذكورة آنفاً وتلك التي لم نذكرها، هناك ملاحظتان تنطبقان عليها جميعاً. أوّلاً، النمطية الشديدة على مستوى الأفكار وحتى الـ «إيفيهات» الكوميدية المبتذلة من كثرة الاستخدام، لدرجة أنّ العمل الأكثر ابتكاراً، وهو «أرض النفاق» (ﺗﺄﻟﻴﻒ يوسف السباعي، وإﺧﺮاﺝ سامح عبدالعزيز) مقتبس، عن فيلم يعود إلى الستينيات!
الملاحظة الثانية تتعلّق بإخراج هذه الأعمال الذي يظل أيضاً تقليدياً «تلفزيونياً» للغاية، يعتمد بالأساس على النكتة اللفظية و«الاستظراف» والمبالغات التمثيلية في اللغة الجسدية، وعلى اللقطات «المسرحية» المتوسطة والكبيرة. وهو ما يشير إلى وجود مشكلة حقيقية في الكوميديا التلفزيونية تحتاج إلى إعادة نظر من قبل المسؤولين عن الإنتاج واختيار النصوص التي يتم إنتاجها، واختيار المخرجين الذين يقومون بتنفيذها. وحسب متابعتنا، هناك أفكار جديدة، ونصوص جيّدة، ومخرجون موهوبون في الكوميديا يحتاجون لمن يكتشفهم ويراهن عليهم، بعيداً عن القوالب الجامدة التي تدور الكوميديا المصرية في فلكها.