القاهرة | منذ «30 يونيو»، يعاني الإعلام المصري ما يمكن تسميته «أزمة ثقة بالنفس». رغم أن هذا الإعلام الخاص (انضم إليه الحكومي لاحقاً) ساعد في الحشد الجماهيري الكبير الذي أطاح الرئيس المعزول محمد مرسي في 3 تموز (يوليو) الماضي، إلا أنّ الحملات الإعلانية الخاصة بالتصويت على مسودة الدستور الجديد يومي 14 و15 كانون الثاني (يناير) تعكس حالة من عدم الثقة. تبدو القنوات غير واثقة بأنّ جموعاً غفيرة ستنزل لتقف في طوابير الاستفتاء، رغم أن النتيجة شبه محسومة. هكذا، صنع إعلام المحروسة حبلاً ليخنق به نفسه عندما تجنب إثارة الجدل حول الدستور، واستضافة من يقولون «لا»، أو يعترضون على صياغة بعض المواد.


إذ ركزت القنوات على أن الدستور مليء بالإيجابيات، وبالتالي فإن الأرجحية لـ«نعم»، لتصل الرسالة إلى الناخبين بأنّ حسم النتيجة لمصلحة «نعم» لن يحتاج إلى حشد كبير. لكن سرعان ما أدرك الإعلام المصري ومن يوجهه أنّ المشاركة في التصويت ستشكل أيضاً رسالة للعالم بأنّ ملايين المصريين الذين نزلوا لعزل مرسي ما زالوا يؤيدون كل ما جرى بعد العزل. في هذا السياق، جاءت كلمة الفريق أول عبد الفتاح السيسي أول من أمس في ندوة تثقيفية نظمتها القوات المسلحة، لتزيد حجم المسؤولية التي تقع على عاتق إعلام الصوت الواحد.
لم يكتف وزير الدفاع المصري بدعوة الشعب إلى المشاركة كما فعل الأزهر والكنيسة ومختلف الأحزاب، بل ربط مباشرة بين قرار ترشحه لرئاسة الجمهورية، وزيادة عدد الناخبين خلال اليومين المقبلين.
أعاد السيسي استخدام تعبير «التفويض» الذي سبق أن استخدمه عندما طالب المصريين بالنزول إلى الشارع في 26 تموز (يوليو) الماضي للتفويض إلى الجيش للوقوف أمام أي إرهاب أو عنف «محتمل». إرهاب سرعان ما تحوّل إلى واقع على يد الجماعات المرتبطة بالإخوان المسلمين بعدما تأكدوا من ديمومة عزل مرسي. لكن السيسي ما زال يرى أن وصوله إلى كرسي الرئاسة يجب أن يمر بمطلب شعبي، يدفعه نحو المركز الأول في السباق حتى قبل إطلاق صفارة الانطلاق. هذا الواقع يضع الإعلام كله في مأزق، وخصوصاً أنّ هذه القنوات اشتكت على مدار عام كامل من محاولة الإخوان تقييد الحريات.
الآن، يبدو أن لا صوت يعلو فوق صوت ترشح السيسي، ولا أحد يتكلم على أهمية الفصل بين الأمور، أي أنّ المشاركة في الاستفتاء المرتقب لا تعني «نعم» لكل ما بقي. لكن يبدو أنّ الإعلام المصري ــ الخاص والحكومي ــ مصمم على أداء دور «المنفذ» من دون الحاجة إلى التفكير.
يريد أن يكون صوت واحد يردد رسالة واحدة، فيما عادت الوجوه المحسوبة على نظام الرئيس السابق حسني مبارك للظهور بقوة على معظم الشاشات والإذاعات. هؤلاء يهاجمون «ثورة 25 يناير»، ويرون أنّ «30 يونيو» هي «الثورة الحقيقية والوحيدة»، من دون أن يمنح «أبناء يناير» حق الرد. صحيح أنّ السيسي نفسه يرى أن تغيير الواقع المصري ما كان ليكون لولا «ثورة يناير»، لكن يبدو أنّ تعلم الدروس مهمة صعبة، لأنّ ما يحدث في الإعلام المصري اليوم لا يختلف كثيراً عما كان يجري أيّام الثورة الأولى. في ظل كل هذه السوداوية، هناك من ينظر بتفاؤل إلى مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية، أي بعد تولي السيسي للرئاسة. برأي هؤلاء، عندها لن يتمكن الإعلام من الدفاع عن الرئيس الجديد طوال الوقت، وإلا غابت المنافسة وعاد الناس لاعتزال التلفزيون كما كانت الحال مع إعلام مبارك. كل ذلك يجري وسط ترقب الجميع التغطية التلفزيونية للحملات الانتخابية للمرشحين للرئاسة، وما إذا كانت ستساوي بين جميع المرشحين. مرشحون سيقدمون أنفسهم على أنّهم أفضل من قائد الجيش الذي يتمتع بشعبية طاغية، بعدما اعتاد إعلام المحروسة أن يقول له «نعم» حتى لو لم يطلبها!

يمكنكم متابعة محمد عبدالرحمن عبر تويتر | @MhmdAbdelRahman