«لماذا أصبحت مشاهدة كأس العالم فقط لمن استطاع إليها سبيلاً؟ لماذا حُرم عشرات الملايين من العرب من مشاهدة لعبتهم المفضلة بسبب التشفير؟ لماذا أصبحت لعبة الفقراء للأغنياء فقط؟ أليس من الظلم أن تحتكر شركة واحدة بث مباريات كأس العالم في 22 دولة عربية، وتفرض أسعارها الباهظة؟ كيف تطلب أكثر من 400 دولار أميركي، لمشاهدة المباريات في بلدان لا يتجاوز فيها معدل الدخل ذلك المبلغ؟ هل يُعقل أن يشاهد الأوروبيون الميسورون كأس العالم مجاناً أو بأسعار رمزية، بينما يضطر فقراء العالم العربي الى الاقتطاع من قوتهم لمشاهدتها؟ لماذا رفضت الشركة المحتكرة بيع حقوق البث إلى اتحاد الإذاعات العربية، ألم يلعن الله المحتكرين؟ لماذا تحول الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا إلى مشروع استغلالي للفساد والإفساد؟».

تلك كانت مقدمة برنامج «الاتجاه المعاكس» الذي يقدمه الإعلامي السوري فيصل القاسم على قناة «الجزيرة» القطرية، قبل 12عاماً، عندما كانت «شبكة قنوات راديو وتلفزيون العرب ART» السعودية، تحتكر بث مباريات بطولة كأس العالم عام 2006. آنذاك، جعل القاسم برنامجه منبراً للدفاع عن حقوق الفقراء.
لكن المفاجأة التي حدثت عام 2009، هي شراء قناة «الجزيرة الرياضية» القطرية حقوق بث وبيع مباريات كأس العالم من قنوات «ART سبورت» السعودية، وأعلنت ذلك في مؤتمر صحافي في فندق «ريتز كارلتون» الدوحة.
وبذلك احتكرت قطر بث الأحداث الرياضية منذ عام 2010 عبر قنوات «الجزيرة»، ومن بعدها غيّرت اسمها في عام 2014 إلى شبكة قنوات Bein sports التي تعتبر حتى الآن صاحبة الحقوق الحصرية لبث منافسات كأس العالم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
«الثورة القطرية» في مجال الرياضة ترافقت مع إعلان «الفيفا» استضافة قطر لبطولة كأس العالم لكرة القدم في عام 2022. ورغم اندلاع أحداث «الربيع العربي»، سارت أمور الشبكة القطرية بشكل جيد في الدول العربية، ولكن الانعطافة الكبرى كانت بعد اندلاع الأزمة الخليجية مع قطر العام الماضي، ومع حصار الدوحة من قبل الدول الأربع: السعودية، مصر، الإمارات والبحرين، بدعوى دعمها لـ«الإرهاب»، والتعامل مع إيران. عندها تكبدت الشبكة القطرية خسائر قدرها بعضهم بمئات الملايين بسبب تقلص عدد مشتركيها إلى حدٍ كبير.

القرصنة الأضخم في الشرق الأوسط
بعد شهرين من أزمة قطر مع دول الخليج، ظهرت شبكة رياضية غامضة اسمها BeoutQ، ويرمز حرف Q باللغة الإنكليزية إلى قطر. استولت الشبكة على إشارة بث قنوات Bein sports القطرية، عبر سطو وصفه بعضهم بأنه الأضخم في الشرق الأوسط.
تبث الشبكة الجديدة مباريات مونديال 2018 الذي تستضيفه روسيا، بعدما نقلت الدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى، في قرصنة واضحة بعد سرقة البث من قنوات Bein sports القطرية، وتغطية اللوغو بشكل بدائي، مع كلفة مالية لا تصل إلى ربع قيمة الاشتراك في القنوات الأصلية.
كما تستخدم الشبكة الجديدة القمر الصناعي «عرب سات»، الذي تملك السعودية الحصة الكبرى من أسهمه، ويحتاج استقبالها إلى شراء جهاز رخيص مصنوع في الصين.
وتنقل الشبكة الجديدة المباريات من دون تشفير، وتملك 10 قنوات رياضية، وتستخدم ألواناً وشعارات قريبة من الهوية البصرية للشبكة القطرية، التي تواجه تشويشاً متعمداً.

لا للاحتكار
وتدعي BeoutQ أنها تحارب «الاحتكار الجائر»، وترفع شعار «لا للاحتكار، لا لتسييس الرياضة»، وطالبت في بيان بضرورة اعتذار قناة Bein sports عما اعتبرته «حملة تشويه» قامت بها الشبكة القطرية بالتعاون مع «الفيفا».
يأتي ذلك بعد فشل الشبكة القطرية في التوصل إلى إبرام اتفاق مع السعودية بشأن بث مباريات كأس العالم، رغم توسط «الفيفا»، لعدم رغبة السعودية في التفاوض المباشر مع الدوحة.

تبث الشبكة الجديدة رسائل سياسية ساخرة ضد قطر


وتقول Bein sports إن الشبكة الرياضية الجديدة مملوكة للسعودية، في حين تدّعي BeoutQ أنها شركة «كوبية كولومبية»، ونفت السلطات السعودية وقوفها خلف الشبكة المستحدثة، وقالت إنها صادرت الآلاف من أجهزة الاستقبال الخاصة بها.
وطالبت قنوات Bein sports الاتحاد الدولي لكرة القدم باتخاذ إجراءات قانونية لمنع القرصنة السعودية. وهو ما دفع «الفيفا» إلى إصدار بيان دان فيه «عملية القرصنة غير القانونية»، مؤكداً على أنه «يأخذ بمنتهى الجدية مسألة انتهاكات الملكية الفكرية، ويدرس حالياً كل الخيارات المتاحة لوقف خرق حقوقه، ولا سيما اتخاذ خطوات بحق المؤسسات الشرعية التي يُنظر إليها على أنها تدعم مثل هذه الأنشطة غير القانونية»، ودحض الاتحاد الدولي المعلومات التي تفيد بأن قناة BeoutQ حصلت على إذن منه لبثّ أي من أحداثه.

جزيرة سلوى
إضافة إلى القرصنة، تبث الشبكة الجديدة رسائل سياسية ساخرة ضد قطر، وتقول في أحد إعلاناتها «استمتع بمشاهدة البقر عن قرب في جزيرة سلوى، ولا تنسَ أن تتذوق ألذ المأكولات التركية، الزعفران الإيراني أجمل ما تهديه إلى أحبابك من جزيرة شرق سلوى». ويتضمن الإعلان علماً قطرياً يرفرف في الخلفية، للسخرية من الدوحة، حيث يطلق بعض السعوديين على قطر اسم «جزيرة شرق سلوى».
وفي إعلان آخر، تسخر الشبكة من الخطوط الجوية القطرية، إذ بثت إعلاناً مشابهاً لإعلان الشركة مع وجود مجموعة من الأبقار وأطلقت عليها اسم «الخطوط الجوية البقرية».

رياضة بلا سياسة
من جهته، غرد «الاتحاد السعودي للإعلام الرياضي» مستنكراً ما سماه سعي قنواتBein sports لاستغلال حصولها على حقوق بث البطولات العالمية، بنشر رسائل سياسية بعيدة كل البعد عن الرياضة، داعياً اتحادات الإعلام القارية والإقليمية والعالمية إلى ردع مثل هذه التوجهات الرخيصة، حسب وصفه.
وتوعد تركي آل الشيخ، رئيس هيئة الرياضة السعودية باتخاذ جميع الإجراءات القانونية تجاه ما سماه «التجاوزات الصادرة عن قناة Bein sports نحو السعودية ومنتخبها ورياضتها ومسؤوليها، واستغلالها الرياضة لأغراض سياسية»، مؤكداً أن هذا الأمر «دليل جديد على صحة موقف الجهات المختصة السعودية حين حظرت هذه القناة عن أراضيها»، حسب قوله.
وترافق ذلك مع إطلاق هاشتاغ «رياضة بلا سياسة»، تضمن تغريدات وتواقيع افتراضية لإعلاميين سعوديين لرفض ما قالوا إنه «إساءة للمملكة واستغلال ما سموه تنظيم الحمدين الإرهابي في قطر للرياضة في القضايا السياسية» في تطور آخر، أعلنت قناة «تيليموندو» أن بثها الحصري لمباريات كأس العالم 2018 باللغة الإسبانية في أميركا، تم توزيعه بشكل غير قانوني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من خلال قناة يطلق عليها BeoutQ. وقالت «تيليموندو» التابعة لشبكة «أن بي سي يونيفرسال» إنها تأخذ على محمل الجد انتهاك الملكية الفكرية الذي تعرضت له، مشيرة إلى أنها تعمل بشكل وثيق مع «الفيفا» لضمان حماية حقوقها.