منذ 9 حزيران (يونيو) الماضي، تاريخ طرد عنصر الحرس من بلدية بيروت، لامرأة سورية وطفلها من «حديقة اليسوعية» في منطقة الجعيتاوي (الأشرفية)، والحالة الشعبية والإعلامية في حالة همود إن لم نقل غيبوبة تامة. حادثة طرد سيدة أرادت أن تدخل حديقة عامة وتنزّه طفلها، فتعرّضت للإهانة والعنصرية بسبب جنسيتها، لم تهزّ الشعب اللبناني العنيد، أقله على مواقع التواصل الاجتماعي، المكان الذي يعدّ التعبير عليه هذه الأيام من «أضعف الإيمان». الحادثة تكرّرت أول من أمس، ووثّقت بالفيديو من قبل بعض سكان المنطقة: فيديو أظهر طرد امرأة سورية وأطفالها الثلاثة. أحد عناصر الحرس قاد المرأة الى البوابة إيذاناً بطردها من «جنّة» اليسوعية. هكذا تحرك الحارس رغم أنّ عمله يقتصر على حماية أمن المنشأة، لا التدقيق في هويات وأوراق الزوار، كما بات يفعل مع النازحين/ ات السوريين.




وحتى هذا الفيديو الذي لاقى بعض الرواج، لم يحرّك ساكناً، ولم تتناوله المنابر الإعلامية حتى الأكثر مغالاة في مقارعة العنصرية والطبقية! في المقابل، شهدنا حادثة تنتمي الى القاموس عينه من التمييز العنصري على أساس العرق والجنسية. نقصد هنا حادثة الطفل «رزق» من التابعية السودانية، الذي منع من دخول إحدى دور الحضانة في منطقة كسروان، بسبب لون بشرته، تحت تهديد الأهالي بسحب أولادهم من الحضانة إذا استقبلت الأخيرة الطفل! موجة الاستنكار التي لاقتها هذه الحادثة إعلامياً (تقرير mtv)، وعلى المنصات الاجتماعية، كانت كبيرة نجحت في تحريك جهات رسمية ذات صلة، كـ «نقابة أصحاب دور الحضانات» في لبنان، ووزارة الصحة (مشكورتين) اللتين أعادتا جنوح الحضانة الى نصابها. الحادثتان في «اليسوعية» وكسروان تلتقيان عند نقطة التمييز العنصري.
استدعت الأولى كسلاً ولامبالاة، رغم أنّها موثقة بالصوت والصورة، لامرأة لا تملك مالاً لتدخل أولادها «نعيم» الحضانات، وأرادت الركون الى مساحة خضراء صغيرة وسط الجحيم المحيط ببلادها وبعائلتها وأبناء وطنها، مقابل استنفار (مطلوب طبعاً) شهدتها الحالة الثانية، التي تتلخص في تمييز على أساس العرق والجنسية، لا على أساس الفقر والغنى. وحتى على سبيل المزاح، بادر بعض الصحافيين الى استنكار الحادثة بحق الطفل السوداني، بعنصرية إضافية، إذ نشر صورة «متخيلة» له بعيون ملونة، تبين أنّها لا تعود للطفل. فهل أضحى الاستنكار يُقام، كما يختار زائرُ مطعم معين وجباته تبعاً للائحة الموجودة أمامه؟ هل هو «الترند؟» هل لأنها لاجئة ومضطهدة وفقط لأنها تنتمي الى الجنسية السورية، في بلد يتنفس عنصرية تجاه شعبها، ظل الصمت سيد الموقف؟ لماذا التضامن مع طفل من الجنسية السودانية، مقابل الصمت على فعل لا إنساني وقح حدث ويتكرر اليوم في «حديقة اليسوعية»؟ أسئلة مشرعة للإجابة، وللغوص أكثر في المعايير المتبعة من قبل الأجهزة الإعلامية المحلية، أو من قبل رواد مواقع التواصل الاجتماعي. في المحصّلة، رست المشهدية النهائية على خلل واضح في النظرة الإنسانية التي يبدو أنها قيّمت على أساس الجنسية السورية فحسب، بوصفها خارج التصنيف العنصري!