منذ أيلول (سبتمبر) الماضي، ارتبط المشهد الإعلامي السعودي بموعد سريان قرار السماح للمرأة السعودية بالقيادة. قبل ساعات من دخول القرار حيّز التنفيذ أول من أمس، تكثّفت المشهدية لتختصر أشهراً من التحضير لهذا الحدث الذي وصف بـ «الاستثنائي»، و«التاريخي». تسابقت وسائل الإعلام السعودية، المرئية والمكتوبة، على توثيق اللحظات الأولى، لقيادة أول امرأة في المناطق السعودية: الدمام، الرياض، جدة، فتكرر لقب «أول امرأة تقود» في ما بينها. بدا الحدث أشبه بتظاهرة حرصت الميديا السعودية على مواكبتها بكل تفاصليها، وتظهيرها بعناوين فضفاضة كتمكين المرأة، ودخولها «التنمية المستقبلية» ضمن خطة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان «2030»، التي تروّج أنّ للمرأة دوراً أساساً فيها، يبدأ بالقيادة ولا ينتهي بتساوي الأجور بين الجنسين في المملكة.


المتابع لمجريات حدث قيادة المرأة للسيارة في السعودية، يلحظ مدى الاهتمام الرسمي المباشر به، وتظهير «الاحتضان» العارم الذي تبديه حيال السعوديات. شاهدنا رجال المرور يوزعون الورود عليهنّ، مرفقة بعبارة «رافقتكن السلامة». إلى جانب الجهاز الرسمي، تحرّك إعلاميون/ ات، وفنانون/ ات، وشخصيات ذات تأثير في المملكة. نشر الملياردير السعودي الوليد بن طلال فيديو، يظهر فيه إلى جانب ابنته ريم، وهي تقود السيارة بعد دقيقة واحدة من سريان تنفيذ القرار، يشكر فيه الملك سلمان. كذلك فعلت الفنانة نوال الكويتية، التي كانت عائدة أول من أمس، من حفلة لها في المملكة، ووثقت إلى جانب سالم الهندي فيديو قيادتها للسيارة وثنائها على هذه الخطوة. كذلك فعل الممثل ناصر القصبي، الذي شكر الملك وولي العهد السعودي. واللائحة تطول، وكذلك الأوسمة التي ملأت مواقع التواصل الاجتماعي احتفاءً بالقرار.
الحشد الافتراضي والميداني غير المسبوق لتظهير أهمية القرار الملكي وتاريخيته، في نصرة المرأة وتمكينها، ظل يراوح منطقة سطحية. إذ ركّز على القشور، والتطبيل لآل سعود، وقرارات محمد بن سلمان «الثورية». هكذا، تسابقت «العربية» (نشرت كاميراتها ومراسليها بين الدمام، جدة، الرياض، الشرقية...) ومجلة «سيدتي» (النسختان الإلكترونية والورقية)، التي استحدثت قسماً خاصاً بعنوان «السائقة الأولى»، وصحيفة «عكاظ» وغيرها، على مواكبة هؤلاء النسوة، ونقل الصور والانطباعات أول بأول للقراء والمشاهدين. حتى إن مراسلة القناة السعودية رشا خياط، أوقعت نفسها في الاختبار وقادت سيارتها مباشرة على الهواء. بدا الأمر أكثر منه ميلاً للاستعراض. بين مانشيت «الشرق الأوسط» أمس (المرأة السعودية تنطلق)، و«عكاظ» (الطريق لكِ)، و«سيدتي» (الملك سلمان ينتصر لقيادة المرأة) وما نشرته ثانية مجلة «فوغ» (النسخة العربية)، احتفاءً بالقرار المذكور، في تصوير امرأة سعودية كُتب على قميصها «10 شوال 1493.. 24 June 2018» مع تعليق: «سيحفظ اليوم في ذاكرة التاريخ للأبد. اليوم يرفع الحظر عن قيادة المرأة للسيارة في السعودية، العديد من السيدات عزمن على الجلوس خلف المقود للمرة الأولى»... كل ذلك، إضافة الى ربط قرار السماح بالقيادة بعناوين أخرى، كانتظار تحقيق المزيد من النجاحات وخرق المرأة السعودية للعديد من الميادين، التي حرمت دخولها لعقود، يشعر المتابع بأن البروباغندا السعودية تُحقق نقيض ما تسعى إليه. من خلال الدعوات المتكررة للرجال بالفسح في المجال أمام النساء في نهارهنّ الأول، والاهتمام الفائض بقيادتهن في أولى خطواتهنّ في شوارع المملكة، وإمطارهنّ بـ «العناية» التي بدت خانقة (رغم أن أغلبهنّ يقدن خارج بلادهن، وبمهارة عالية)، عكست الصورة نساء ضعيفات، تحت سطوة مملكة يقودها «الرجل الثوري» محمد بن سلمان، الذي منحهنّ هذا الحق. حتى عناوين ومقاربات الميديا الغربية من بينها مجلة The Economist، صبت كلها في التطبيل للأمير «الإصلاحي». المجلة البريطانية عنونت «بدء الثورة في السعودية»، مرفقة بصورة كارتونية لامرأة سعودية وراء المقود. بروباغندا غربية وسعودية، احتفت برأس الهرم، صاحب «الإنجاز»، فيما بقيت المناضلات السعوديات اللواتي دفعن ثمن مطالبتهن بحق المرأة بالقيادة في المعتقلات، ونسف ذكرهنّ من معمعمة الحدث.