«أدخل ببطءٍ في قرباني الذاتي، روعة مزقها النشيد الأعظم وكأنه الأول.

أدخل ببطءٍ في الكتابة، كما قد دخلتُ في الرسم. هو عالم متشابك من النبات المتسلق، والمقاطع اللفظية، وزهر العسل، والألوان والكلمات- عتبةُ مدخل كهف الأجداد، رحم الكون حيث سأولد (..) ما أقوله لك، يجب أن يُقرأ بسرعة، كما لحظة النظر» (من كتاب «أغوا فيفا»، كلاريس ليسبيكتورـ 1920 -1977)
حوار ثقافي بصري بين أبعاد الكلمة واللون بأعلى مستوياته في «غاليري صالح بركات». أكثر من 30 عملاً فنياً (بين 30 سنتيمتراً و3 أمتار) بمختلف الوسائط (من حبر أو اكريليك على ورق أو قماش، إلى تشكيل الأحجام من طين) كلها تطرح بحثَين: فنيّ فلسفيّ وآخر تقني. يكاد عبرها معرض هبة كلش (1972) يكون الأول من نوعه لتلازم المسارين الاختبارّيين بهذه القوة، أو لناحية تطور وتراكم مسيرة فنانة شابة في لبنان بهذا الإصرار الدؤوب. تلعب كلش بالوسائط المختلفة بتمكّن تام، مع مخزونٍ تراكمي من التجارب التشكيلية المتنوعة، الناضجة والمثمرة في آن. تفعل ذلك من دون القطع مع الماضي وتجاربها الأدائية في سان فرانسيسكو، أو حتى دراساتها النحتية، بل آخذةً بكامل خيط مسيرتها من أوله حتى اللحظة. تحدٍّ للذات ووفاءٌ للتطوير العملي والذهني، قل نظيره بين فناني وفنانات الجيل الشاب، إذ يركن بعضهم إلى منطقة الراحة لديهم عكس ما تفعله كلش باستمرار.


«في البدء كانت الكلمة» لكن مهلاً، ما هي العلاقات الكلامية التي تُحيك للجملة معناها لباساً؟ ما هي النصوص؟ ما هي النصوص المقدسة؟ السماوية؟ ما الأمل؟ ما الجنة؟ ما الجنات؟ ماذا تخط أحرف الكتب المقدسة؟ ما هي فواكه الجنة؟ ما دخل الجسد في كل هذا؟ ما هو دور الاختلاف والتضاد أو حتى الترادف والانسجام بين الكلمات والألوان؟ ما دور السردية؟ ماذا عن التفكيك؟ ماذا عن الهدم لإعادة البناء؟ أسئلة كثيرة تُطرح هنا بجُرأة حيناً وخفَر أحياناً. بكى بعضهم عند رؤية طرح هبة كلش البصري، فيما ضحك آخرون فرحاً برؤيا الجنة، والسعادة. الحتمي، أن أي راءٍ لن يتمكن من الوقوف بلا تفاعل عميق وجذري أمام هذا المعرض، فيجد نفسه أمام فعل إعادة تركيب مشاهد وأفكار وفلسفة، وشِعر، أمام تفكيك معتقدات وإعادة بناء.... أمام تشكيل تفاعلي بامتياز، تديره لوحات كلش عن بعد كجذب مغناطيسي لا قوة تضاهيه.

جاز بصري
الرحلة البصرية في معرض كلش، لا تقتصر على فعل اجتياز/ «عبور» طريق العرض من اللوحة إلى التالية. بل هي رحلة «سلوك» بصرية في عمق دروب طبقات اللوحة الواحدة. والسلوك/ الطريق في المصطلح الصوفي أهم من الغاية، بل هو الغاية. في عمق طبقات اللوحة الواحدة، تبدو المسارات متعددة، والشفافية تسمح باجتياز حدود المساحة المسطحة إلى شرائح متراكمة، مركَّبة الطبقات، موزعة تلقائياً بين أغلفة عُليا أو دُنيا. كل هذا على قماش لوحة، وملمس ورقة. نسيج لونٍ ليِّنٍ طيِّع.. يذوب أو يجمد ليكوِّن كلّاً منوّعاً متفجراً على مساحة اللوحة. تزيد وتضعف، تسمك أو تهش حسب الراق/ القشرة. كعزف الجاز، أو الأدق كالنوطة الزرقاء في لعبة جازية اختبارية أو ارتجالية.
بعضها المؤلَّف بالأحبار على الورق، يوحي للوهلة الأولى بأنه حشائش بحرية متداخلة. لكن سرعان ما نرى داخل النسيج أبعاد الطبقات الأخرى، كـ «مانترا» تكشف لنا مع الوقوف أمامها أعماقاً متعددة. الأرجح أنها في أنفسنا! هنا يتنوع اللون مراتب ودرجات وأحوالاً ومنازل! من ألوان الأصفر المشع والأخضر المنعش الذي يميل إلى الصُفرة الحادة، وأخرى عشبية خريفية تميل إلى الزيتي، أو أحمر يختلف عما يليه لوناً وتركيباً، من زهر غزل البنات المدهش للعين إلى الأحمر القاني المستفز للطاقات الذهنية، أو خطوط حبرية تذوب أو تتداخل وتتشابك ثم تسبح كخيوط متعانقة تمسك بعاطفة الرائي بقوة. وقلبه كعاشق يتأرجح مع صوت معشوقه يتلو الأحرف شعراً. ثم يصطدم الذهن في الطبقات التالية بأشكال تحيلها الذاكرة البصرية إلى أجزاء/ أعضاء من جسد الإنسان. حقائق عاطفية مترجمة بصرياً، كلها بالتوازي مع انطلاقة استثنائية ونوعية من عنوان يفتح الشهية الإبداعية، يستفز الخيال ويحفز على التساؤلات. عنوانٌ كان عملياً آخر ما كتبه فرانز كافكا من دون أن يكمله: Limonade es war alles so grenzenlos أو «ليموناضة كل شيء كان بلا حدود». لكن كلش تختار ترجمة هيلين سيكسُو: «ليموناضة كل شيء كان لانهائياً». لطالما كانت ترجمات هذه الجملة أشبه بالتنويعات الموسيقية على مقام لغة كافكا. عزف يمتد من التجريب اللغوي حتى إعادة التوزيع الكلامي. حاملة هي أيضاً احتمالات لامتناهية، وأغلفة وطبقات لامعدودة. والمفارقة كما المتعة المضاعفة، تكمن في تمكّن هبة كلش من اللعب على هذه اللغة. ليس فقط بصرياً بل فكرياً وفلسفياً، طارحةً أبجدية بصرية اختبارية جديدة على ساحة المعارض اللبنانية. تغوص بعمق تقني بالتوازي مع الفكر، في أبعاد وأعماق المساحة المسطحة. وتبرهن للرائي أن الأبعاد والأعماق إنما تُخلق بيد الفنان، فيما يبقى التسطيح خياراً لا يفي حق المنطق الإبداعي.

من «الأمل» إلى «الجنّات المقدسة»
«لا شيء يبدأ بالمطلق من اللا شيء. هناك تتالٍ، تتابع، واستمرارية» تقول هبة كلش لـ «الأخبار» عن موضوع معرضها. بين تساؤلات ومحاولات اكتشاف كيفية صنع الفن من دون سردية/ أو قصة، وبين بحث عملي لسنتين في مشروع حوار مع أهل الفنون البصرية في لبنان عن اللون. ما هو هذا اللون الذي نعيش معه!؟ فتحول الأخير إلى لغة. من هنا دخلَت كلش في قراءات متنوعة ومتشعبة وصولاً إلى فوبيا الألوان، أو حتى تاريخ اللون، من بداية طحن المواد لصنع الألوان الأولى. في الوقت عينه، كانت قد باشرت بتشكيل أعمالٍ تجريدية. إذ كانت تحتاج إلى قصة أو الأدق إلى سردية ما، تتمسك بها «لأن حياتنا إلى هذا الحد معلقة بقصص، فعدتُ إلى عنوان مشروع سابق ومستمر: «الأمل»، وكيف أن الإنسان يتعامل أو يتعاون مع وجعه وجرحه، بخاصة إبان التروما الجماعية بعد الحروب. كانت هناك دائماً فكرة/notion عن الأمل. توجهت قراءاتي من فكرة ذات صلة بالأمل إلى مفهوم بناء الجنة في النصوص الدينية. بدأت أتوسع في القراءات، وتتوسع الأسئلة بديهياً، من أسئلة وجودية إلى غيرها مثل: لم هناك كتب؟ سماوية أو غيرها؟ لكن بقي اهتمامي كفنانة مركزاً على «الكلمة» وككلمة مكتوبة، كنص مكتوب. كيف نتشربه، نهضمه، ثم نفهمه على المستوى العقلي أو الذهني الصرف. ثم كيف هو مُؤَوَّل عبر الخيال. والخيال يأخذ دائماً منحىً شخصياً فردياً. لكننا أفرادٌ في مجتمعات ونبقى متصلين بالعالم. ثم تأتي عملية البناء: المفاهيم، الحدود، التقسيمات الجغرافية. ونرى الكثير من الظلم. وهكذا بدأتُ فعلياً العمل بعمق». وتضيف كلش: «من البناء/ الهيكلية الدينية وفي هذه النصوص التي تحكي عن الجنات وكيف وصفت هذه الجنات في الكتب السماوية، بدأت استخرجُ جُملاً من النصوص. أخرجتُها بالطبع من إطار النص الكامل. ثم عملتُ على اللغة الوصفية أو وصفية اللغة (وظيفياً). فهذا ما كان يهمني. ليس كنقل للنص، وإنما كيف هو مكتوب وموصوف ولغوي عبر محاولة ترجمة بصرية».


لكن التصاق كلش بالنص الديني الذي بدأت منه، أوصلها إلى متاهة لا ترضيها، وهي وجود سردية وتأويلات تقع في الحَرفيّ. «لذا عند هذه المرحلة، صار عندي قطع مع هذه النصوص الدينية. اضطررت أن أضعها جانباً، وأرى فقط اللغة الوصفية الخاصة بي التي تمكنني أن أعمل بها وعليها. كيف يمكن لهذه اليد أن تجعل اللغة تبني؟».
إنّه السؤال المفتاح الذي ربط المضمون بالتقنية، والمفهوم الفلسفي بالفعل الفني الصرف لدى هبة. عملية البناء أصبحت تتم عن طريق الهدم أو التفكيك، ثم إعادة البناء. وهو فعل مستمر، حيث أصبح للحركة الجسمانية في إطار العمل الفني قبل وخلال وبعد التشكيل دور لصيق بالنتاج الفني البصري الأخير. وهو بذاته دليل استمرارية منطقها الفني منذ عام 2003 وتطوره ونضجه الدائم دون التخلي عن أي جزئية. بل إننا نراه اليوم يُثمر في ظل الخروج من إطار السردية إلى البناء، بعد الهدم بكل المعطيات الممكنة. يأتي ذلك بناءً على جمع لغة كانت مشرذمة كلياً، ثم مخفوقة بطريقة فوضوية لانظامية إطلاقاً. ومن هذا المزيج تصنع تجاذبات، وعلاقات لغوية وبصرية جديدة. تُراكم الطبقات فوق الأخرى، ثم تحصل على قطعة واحدة/ موّحدة. فعل أقرب ما يكون للهندسة المعمارية أيضاً، حيث تتداخل وتُركّب الطبقات بناءً على معطى الجزيئات.
«عندما تركت النصوص الدينية، رجعت إلى نصوص تحليلية نفسية، وفلسفية. رجعت لهيلين سيكسو، ومنها إلى كلاريس ليسبيكتور، مكتشفة كتابها «اغوا فيفا». كان ذلك مدهشاً. كم أنّها تكتب عن نفس العملية/ الطريقة أو المعالجة الخاصة بي، بشكل لا معقول! فكانت طريقتها في الكتابة المجزّأة، والـ non-linéaire. كلها تبدو كأن لها مرجعاً ما أو أن لي عودة إليها في عملي. حتى مفهومياً، كيف تُسائل ليسبيكتور مبدأ الحياة، والحياة بعد الموت؟ وكيف يأتي إلينا من دون أدنى إنذار.
كانت مهتمة بالعمل على مضمون مرتبط بالفرح والسعادة والأمل

ثم في لحظة، توقف نصَّها وتنتقل فجأة للكتابة في موضوع مختلف. كان ذلك فعلاً قريباً حد الالتصاق من طريقة عملي! فكرة عدم الدقة في الفكرة بذاتها، والغموض، وكيفية جعل اللون يترجم عملياً ذلك، كالكلمات من دون حرفية. وقد تأثرت جداً عند معرفتي أنها كاتبة ورسامة في آن! في الحقيقة، ما يعنيني كان تلك الوضعية التي نجد فيها أنفسنا كفنانين! وكيف يُعالج كل هذا الموضوع الذهني!» بحسب هبة كلش التي عنونت معظم لوحاتها من نصوص ليسبيكتور، من دون أن تغفل عن أي تفصيل من الكتب المقدسة/ السماوية. هبة نفسها التي شكلت مجموعة من الموز من طين مرافقة للوحات، تحفظ غيباً كل كلمة وصفية للجنة في الكتب السماوية المقدسة الدينية، وكل فاكهتها.

الكلمة بعداً رابعاً
أما بالنسبة لصالح بركات، فهذا المعرض له خاصية فريدة «شهدت تفاصيل ولادته منذ البداية. كانت هناك مرحلة مخاض ذات علاقة بالموضوع/ المضمون ودراسته. وأشهد أن هبة كانت مثالاً حقيقياً للفنان الذي يأخذ موضوعاً ويدرسه من ألفه إلى يائه بكل جدية ومثابرة. كانت مهتمة بالعمل على مضمون مرتبط بالفرح والسعادة والأمل، بعيداً عن الأجواء السلبية. قرأَت بنهم، ورأيتها كيف تعمل مع أناس كبار كي تعرف كيف تُقارب موضوعها، إلى أن نضج مفهومياً في ذهنها. دخلت عندها مخاض العمل المباشر، وتطور من أقصى الالتزام والتنظيم إلى أقصى الحرية! أعتقد فعلاً أن هبة أعطت كل ما يجب أن يعطيه الفنان من عواطف ومشاعر. واعتقد أن كل الناس الذي زاروا المعرض قد رأوا وتفاعلوا وانعكس عليهم ذلك بشكل مباشر».
ولدى سؤالنا عن تصنيف هبة في المشهد الفني التشكيلي اللبناني اليوم، يجيبنا بركات:
«لقد عاشت هبة فترة هامة من مسيرتها الفنية خارج لبنان. حينها لم نكن نعرفها. وعندما عادت، كانت تحاول أن تسترد وقتاً ضاع منها هنا. أن تقول: أنا موجودة. وها هي اليوم، وبما لا يقبل الجدل، تثبت نفسها بقوة كواحدة من الفنانين الجدّيين جداً». يبقى أن أصدق ما قد يصف عمل كلش، ما كتبته الرسامة والكاتبة البرازيلية كلاريس ليسبيكتور أيضاً في «أغوا فيفا»: «أريد أن التقط الحاضر الذي، بطبيعته، محرَّم علي... ثيمتي هي اللحظة، ثيمة حياتي. أبحث أن أشبهها، أتجزأ آلاف المرات بعدد المرات التي يوجد فيها ثوانٍ/ لحظات تمر/ تتدفق. مجزأة أنا واللحظات غير مستقرة. لا أفهم نفسي إلا مع الحياة التي تولد مع الوقت، وأكبر معها: لا مكان بالنسبة لي إلا في الوقت... الموسيقى لا تُفهم: وإنما تُسمع. اسمعني إذاً بجسدك كله. وعندما ستتمكن من قراءتي، سوف تسألني لم لا أتوقف عند حدود الرسم والمعارض، بما أنني أكتب بشكل قاسٍ/خشن وغير منظم. ذاك أنني الآن أشعر بضرورة الكلمة- وما أكتبه جديد بالنسبة لي لأن كلمتي الحقيقية، حتى الآن، لم يتم الوصول إليها. الكلمة هي بُعدي الرابع».

* «ليموناضة كل شيء كان لانهائياً» لهبة كلش: حتى يوم الجمعة ـ «غاليري صالح بركات» (كليمنصو) ـ للاستعلام: 01/345213