لا تعيش الشاعرة ملاك مكي (1984) في منطقة معينة، أو في مساحة محدودة. هي تقول «ليس لديّ منزل يحدوه الشجر بل على الأرجح أعيش في تلك المساحة الضيّقة بين الأصابع التي يحدوها الشوق والقلق والحب والرغبة». بهذه البطاقة التعريفية تحرص الصحافية اللبنانية على تقديم عملها الشعري الأول. «كأنني أُسابق صخرة» (دار النهضة العربية – بيروت). تلخيص مكتوب على الغلاف الخلفي من ديوانها الذي يبدو مربوطاً بالصخرة ذاتها بحسب قولها. هي لا تُعلن هذا الأمر صراحة، ولو كان لنا أن نربط الـ «ك» المُفتتحة للعمل، الـ «ك» الظاهرة كعتبة أولى للنص، بالدلالات التي يحملها كمفاتيح غير واضحة تماماً وهي تحمل دلالات الـ «ك» نفسها. كأن لا شيء بيّن تماماً أو أنها لا تريد أن تُعلن الأمر على نحو مباشر!

مع ذلك، هل في هذا العنوان اختزال لما سيأتي في السطور التالية؟ أو بإمكاننا اعتبار العنوان ذاته تلك القاعدة/ المنصة التي ستعتمد عين القارئ عليها وهي تمضي بين الكلمات؟ لكن مع ذلك، يُقال بأن ليس على العنوان أن يكون واضحاً أو جزءاً من قلب العمل من الأساس. هذا في حالة الكتابة الحديثة التي قد يأخذ صاحبها عبارة من رأسه ليست موجودة في نصوص العمل ليضعها عنواناً لعمله. وكما في نصوص أُخرى، يظهر العنوان كشكل بصري. كصورة. كسيرة ستأتي، مروية، على هيئة صورة في النصوص التالية. سيرة الشاعرة، والعائلة والمحيطين والحياة التي تخصها. هي تلك الحياة التي كانت ترغبها أن تكون أبسط من حالتها الحقيقية «فبدل أن ألتقط حبّات المطر في يوم غائم ممطر/ كان يمكن لي أن أقبّلك».

سيرة مروية على هيئة صورة في النصوص


تكتب ملاك مكي على واجهة كتابها الأول. كأنها سيزيف وخائفة من صخرة على ظهرها. (كأن المسألة محصورة في حسابات أثقال العمل الأول والقلق المترتب عليه). هي خائفة من إصدارها الأول. أو كأنها مُرتابة من هذه الكتابة وقد صارت منشورة وأصبحت مشاعاً للناس، كأنها مسألة الرهاب من النص الأول أو، في الوقت نفسه، عدم وصولها إلى يقين بعد أو لحالة رضى عن اللحظة التي صارت فيها: «كأنني أسابق صخرة/ لا أعرف معنى الدهشة/ لا الثبات يدهشني ولا الحركة». سنرى هذه الـ «كأن» منتشرة في ثنايا النصوص، هنا وهناك، مرة بصوت الشاعرة وقائلة بصوتها الخاص ومرة أُخرى باسم شخص مجهول لا نعرفه. «كأنه يدرك أنه أقرب إليها»، أو تخاطبه مباشرة: «كأنك وحدك على هذه الأرض» لتعود مرة أُخرى لمخاطبة الغائب نفسه «كأنه لا يريد أن يوقظ الأعشاب الخضراء»، «كأن الانتظار حياة»، «كأنه يرغب في إيقاظ الآخرين». وحين تعود للحديث عن ذاتها، تقول: «كأنني لم أستيقظ، ولم أُغادر، ولم أصل».
لكن مع ذلك سنجد في الجزء الأخير من «كأني أُسابق صخرة» العودة بشكل مطلق لما يشبه سيرة ذاتية وإن كان الصوت موزعاً بين نبرة الشاعرة وبين نبرة أخرى لا نعرفها «تتخيّل لو أنها فراشة ملوّنة، تنتقي الأزهار بعناية وجمال/ وتحاول، بقدر المستطاع ، أن تغيّر لون السماء بين الحين والآخر». وفي مساحة أُخرى تسعى لمخاطبتها على نحو مباشر «لا تنسَي يا صديقتي أنّ الريح، اليوم، خفيفة جداً. تحاول منذ الصباح، أن تتسرّبَ إلى الغرفة بينما كنتِ نائمة وتحلمين». وهي نفسها من تحاول «أن تغمس أصابعها بين حبات العدس. تحاول أن تلتقط الحبات، تعدّها».
لكن لا بد من حالة القلق، وهي المنتشرة على سطور العمل أن تنتهي. تقول الشاعرة بصوت صريح أولاً: «جميل أن أكون فكرة/ يزرعني أحدُ في رأسه/ وأتخلّص من رأسي». لكنها ما تلبث أن تعود لتعلن أن الأمر لم يكن بتلك السهولة: «جميع قطارات العالم تتوقّف عند نقطة الوصول/ في رأسي قطار لا يتوقف»