بعد عام على عرضه «ذلك الجزء من الجنة»، يعود عمر راجح الليلة بـ «وتدور» (كوريغرافيا وإخراج عمر راجح) إلى خشبة «مسرح المدينة». في العمل الذي نشاهده بدءاً من الليلة، يأخذ الكوريغراف اللبناني عناصر العرض إلى أقصاها في جوّ يزداد استحالة مع انقضاء الوقت. ميا حبيس معلّقة بحبل، وبسام بو دياب ممدّد على المنصة المدوّرة المتحرّكة التي تمثل العنصر السينوغرافي الوحيد والأساسي في العمل. يجلس مازن كرباج أمام طاولته ومعدّاته في زاوية المسرح، وأمامه شريف صحناوي مع غيتاره الكهربائي.


نحن هنا أمام عمل حيّ بجميع عناصره التي استطاع راجح موالفتها وتوظيفها لخدمة حبكته. يفتتح صحناوي العرض بضربات الغيتار، بينما يدور بسام بجسده على المنصة التي ستبدأ بالتحرك والارتفاع، بالتزامن مع هبوط ميا حبيس عليها. المنصّة التي أنجزها الفنان الفلسطيني ناصر السومي (راجع المقال أدناه)، ستصبح الفضاء والمحيط الذي يفلت من يد الراقصين، والدافع الأساسي لحركاتهما في آونة واحدة. كأنّها الأحداث والوقت والمحيط التي تفرض تغييرات على حيواتنا، وتجبرنا بعد تخبطات متتالية على التأقلم في النهاية لتحقيق البقاء. هكذا، يرفض الراقصان الخروج من هذه الدوّامة، فيما تحاول حركات جسدهما التأقلم ومقاومة التلاشي الذي يبدأ بفرض نفسه شيئاً فشيئاً من خلال حركة المنصة. وبما أنّ العرض يستبعد خيار الترجّل من هذه اللعبة الهائلة والمتغيّرة، لا يجد الراقصان أمامهما سوى خيار البقاء، وربّما التوق إلى الخلود الذي يبدو احتمالاً وارداً للمستحيل. لذلك، سنرى أنّ وتيرة الحركة تزداد إصراراً وقلقاً وتخبطاًً على نحو تصاعدي، مع مرور بعض لحظات الخفوت. لا يمكننا هنا إغفال دور الحبال التي علِّقت بها ميا وبسام، وبدت متواطئة مع جميع العناصر: المنصة والموسيقى والإضاءة والجانب البصري الذي ينجزه مازن كرباج. تنازل كرباج هنا عن أسلوبه المعروف لخدمة الطرح العام. الرسام اللبناني الذي يجلس على كرسيه، تنعكس لوحاته (المبدّدة) على المنصّة التي يفرض تحرّكها المستمرّ تغيّراً متواصلاً على حجم هذه اللوحات. هكذا تنفلت عشرات الدوائر والخطوط العبثية المنجزة بالحبر الصيني. تتوسّع وتصغر وتلتصق، وتتباطأ وتتسارع وتيرتها قبل أن تواجه مصير التلاشي حين يمحوها كرباج بأدواته. يواصل الفنان صناعة أشكاله التجريدية طوال العرض، محوّلاً إياها إلى عشرات الأجساد، وجزء من لعبة الظلال والإضاءة (جوناثان سامويل) متماهية بذلك مع الرؤية الكوريغرافية. وبما أنه جزء من لعبة أكبر منه، كان على كرباج البحث عن لغة بصرية خاصة لتأدية دوره. لذلك استعان ببعض السوائل كمستحضر التنظيف، وبعض الأدوات مثل إسفنجة الجلي وماسحة الزجاج للتحكم في الحبر الصيني الأسود وخلق أشكاله وخطوطه. أما الناحية الموسيقية التي استهلّ بها العرض، فقد أنجزها شريف صحناوي الذي ارتبط اسمه مع كرباج بالتجريب والارتجال. ضربات صحناوي على الغيتار كافية لصنع مئات الأصوات الأسطورية، والمقطوعات والإيقاعات السريعة والبطيئة المنسجمة حتى النهاية مع جسدي الراقصين. منذ بداية التدريبات، عمل صحناوي معهما لموالفة الموسيقى مع الرؤية الكوريغرافية قدر الإمكان. الموسيقى التي استعان فيها ببعض العصي الخشبية والحديدية، سارت على خط واحد مع الرقص والكوريغرافيا. هذا التوافق (البديهي) بين الموسيقى والرقص، ليس إلا جزءاً من انسجام واسع لفّ العرض بعدما نجح عمر راجح في التحكم بخيوط اللعبة. وهذا أمر ليس سهلاً، وخصوصاً أنّ لكلّ من الفنانين المشاركين توجهه وأسلوبه الخاص.




«وتدور»: 8:30 مساء اليوم حتى 25 كانون الثاني (يناير) _ «مسرح المدينة» (الحمرا ـــ بيروت) _ للاستعلام: 01/341470