ادخلوا الى عالم ناصر السومي (1948 ـ الصورة)، تجدون قراءات متعددة تحثّ على إعادة النظر في الفضاء والوجود. الفنان الفلسطيني المعروف، لطالما قارب العلاقة الجدلية بين الفرد والمكان والفضاء الأوسع. أعماله ـــ أكانت لوحة أم تجهيزاً أم فيديو أم أداءً ـــ تختصر المسافات بين الكون بنجومه، والمحيط بعناصره الذي يصبغها غالباً باللون النيلي، وهو «اللون الأول لفلسطين» بحسب كتاب نشره المتحف البريطاني.


لم يكن السومي يدرك ذلك قبل اعتماده اللون النيلي، فأعماله الفنية تنبع من الحدس لا من الوعي. يقول: «لا أستخدم العناصر التي أعرف مدلولاتها، بل تلك التي لا أعرف مدلولاتها كي أكتشفها لاحقاً.» ينطلق السومي دوماً من علاقة الإنسان بالمكان بشكل عضوي. تجلّى ذلك في أعمال عدة منهاTraces of Avignon حيث انطلقت الفكرة من تلوّث بيئة «مهرجان أفينيون» الفرنسي الشهير بآلاف الملصقات، فقام السومي بمحاولة الحد من ذلك عبر تنفيذ هرم في وسط الساحة علّق عليها الفنانون ملصقاتهم بدلاً من نشرها عشوائيّاً. كما تحول الهرم نفسه الى سينوغرافيا متحرّكة لتسعة عروض رقص. في عمل آخر، تناول علاقة اليافاويين بمدينتهم عبر عرض كتاباتهم عن علاقتهم بها. وضع هذه الكتابات في علب معلقة على الحائط تحتوي كل منها على زجاجة معبأة بمياه بحر يافا وقشر البرتقال، مع شمعة تضيء المياه المصبوغة باللون النيلي ليتراءى للمتفرج ميناء يافا ليلاً كمحاولة من السومي لجمع كل ما لا يمكن تدميره في يافا. بذلك، يكون قد استحضر بعداً آخر في المكان هو ذاكرة المكان أو مكان الذاكرة. اتسعت الرؤيا لدى الفنان لتشمل علاقة الإنسان مع الزمن (الماضي والمستقبل معاً) في مشروع واحد في «المونديال» في فرنسا حيث قدم مجسّماً كبيراً عن كرة قدم تحتوي على رسائل من لاعبين وفنانين وآخرين أغلقت عام 2000 وتفتح عام 2100 ليقرأ مَن يأتي بعدنا هواجسنا وأفكارنا. وبذلك يكون عمله الفني قد امتد لمدّة 100 عام وبنى جسراً من التواصل مع جيل لم يولد بعد.
أبرز ما قام به السومي في بيروت برفورمانس «صخرة الروشة»: حملة وهمية في كورنيش الروشة لقص الصخرة بحضور رافعات وممثلين بأدوار مهندسين ومتسلّقين على الصخرة مع صور ضخمة للصخرة تطير وتسجيل فيديو لردود فعل المواطنين حيال تشويه أهم معالم لبنان. يعتبر السومي أنّ «علاقة المواطن العربي مع المحيط ملتبسة وتشكل إحدى إشكاليات وجودنا كعرب. لم نتربَّ على أن البلد لنا والملك العام يخصّنا، لذلك كان هدف المشروع هو التوعية للحفاظ على بيئتنا ووجودنا».

تطول قائمة أعمال السومي التي تتناول أبعاداً وجودية ومواطنية من خلال طرح علاقة الإنسان بالمكان. أما اليوم، فيعود الى بيروت ليقدم سينوغرافيا قلما شاهدنا شبيهاً لها. هي تشكّل امتداداً لفكرة سينوغرافيا مشروعه السابق Memory of Indigo في جزئيْه الأول في الهند (2006) والثاني في حلب (2010). جسد العمل يومها فكرة «الخط بين الممكن والمستحيل»، حيث يرقص المؤدون على قرص دائري (قطره 20 متراً) منحدر بدرجة 25. أما عرض «وتدور» فيطرح وضعية متقدّمة عن مشروعه السابق هي وضعية «المستحيل»، يجسدها السومي سينوغرافياً عبر حركة قرص دائري (قطر 6 أمتار) من الأفقي الى العمودي (تنفيذ شركة أبو عجرم) بمبدأ ميكانيكي يشكّل أهم مفردات لغة السومي الفنية كونه مهندساً ميكانيكياً أساساً. هكذا تتطوّر تجارب السومي في مساحات لعب شاسعة بين الفضاءات والأزمنة والممكن والمستحيل. ماذا عن المستحيل في «وتدور»؟ وماذا بعد المستحيل؟