-1- بعض المحطات التشريعية في مجالي التنظيم المديني والبناء

ينظِّم الشواطئ الشمالية اليوم، المرسوم رقم 3362 الصادر في 26/5/1972. وقد تم تعديله منذ صدوره حتى اليوم، في أقسام كثيرة من الشاطئ، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، المرسوم رقم 1412 الصادر في شهر شباط من عام 2015، وقد تناول مناطق البترون وكفرخلص وبسبينا وكوبا (قضاء البترون). والمرسوم رقم 3478 الصادر في شهر أيار من عام 2016، وقد تناول منطقتي الحريشة وأنفه (قضاء الكورة) والمرسوم رقم 4598 الصادر في شهر تشرين الثاني من عام 2016 أيضاً، وقد تناول منطقة شكا (قضاء البترون).
وقد يكون من المفيد قبل قراءة المرسوم بتأنٍّ (3362 تاريخ 26/5/1972)، التوقُّف عند بعض المحَّطات التشريعية، في مجالي التنظيم المديني، والبناء عندنا.
نلاحظ في هذا المجال، أن مفاهيم التنظيم المديني المسّمى «حديثاً»، والتي سادت في الغرب الصناعي طيلة ما يزيد عن قرن (1860–1970)، وصلت إلينا في بداية القرن العشرين، مع روَّادٍ كثرٍ من عندنا، درسوا فـي العواصم الكبرى للغرب الصناعي آنذاك. كما زَرعها في ثقافِتنا الانتدابُ الفرنسيُّ بكل سَطوته.

حالات على البحر، المجمع الشهير: أين الشاطئ؟ أين الأملاك البحرية العامة؟ أين الحيز الطبيعي الواحد الذي لا يتجزأ؟

ظهرت بصماتُ هذه المفاهيم بدايةً، في نقلِ الأفكارِ الهوسمانية، مـن ساحة النجمة فـي باريس إلـى ساحة النجمة في بيروت، نقـلاً حرفيـاً، طمس الهُويَّـة، ودمَّر النسيج التقليدي الموروث. ثم ظهرت مجدداً، في المخططات المتلاحقة التي أُعِدَّت لمدينة بيروت، مع دانجيه، ثم مع الضابط في الجيش الفرنسي إيكوشار، ومع إيغلي، ثم مع المعمار والمنظم إيكوشار، مجدداً. وقد تجلّت في قانون البناء الذي صـدر فـي ظل الانتداب الفرنسي بالمرسوم الاشتراعي رقم 61/ل، تاريخ 30/8/1940. وقد عدَّل العهدُ الاستقلاليُّ الثانـي المرسومَ المذكـورَ، بقانـونٍ صدَر في20/1/1954، وقسَّم مدينة بيروت، بالمرسوم رقم 6285 الصادر في 11/9/1954، إلى مناطق متعدِّدة بأنظمة ارتفاقية مختلفة، وفق المفاهيم التي أشرنا إليها سابقاً. الى أن استُبدِلَ بعد تعديلات كثيرة، بالقانون رقم 646 الصادر بتاريخ 11/12/2004 المعمول به حالياً. وبالمرسوم التطبيقي المرفق به، الصادر بالمرسوم رقم 15874 في 12/12/2005، وبتعديل المرسوم التطبيقي المذكور، بالمرسوم رقم 617 بتاريخ 8/7/2007.
في ضوء مفاهيم «التنظيم المديني الحديث» كما عرفناه، صدر قانون التنظيم المديني في العهد الاستقلالي الثالث، بالمرسوم الاشتراعي المؤرخ في 24/9/1962، والذي عُدِّل بدوره بالمرسوم الاشتراعي رقم 69 الصادر في 9/9/1983.

-2- تنظيم الشواطئ اللبنانية
يمكننا القول إذاً، إن النصوص التشريعية عندنا، في مجالي البناء والتنظيم المديني، اكتملت خلال عقد من الزمن (1954-1962) هو العقد الأول من سنوات الازدهار، كما يُحبُّ البعضُ أن يسمِّيها. وكان تنظيم الشواطئ اللبنانية من المواضيع الرئيسة، التي استرعت الاهتمام الرسمي، وعُولجَتْ في ضوءِ قانون التنظيم المديني الجديد. فصدرَ التصميمُ التوجيهي للشواطئ اللبنانية في مرسومٍ يحملُ الرقمَ 4809 تاريخ 24/6/1966، متبنياً الأفكار الغربية المتقدِّمة في ذلكَ الزمن، ومُرفقاً بالمرسوم رقم 4810 المخصَّص لنظام إِشغال الأملاكِ العامةِ البحريةِ، والذي صدرَ في اليوم ذاته.
صدر المرسومان معاً:

مرسوم تنظيم الشواطئ اللبنانية رقم 4809
مرسوم تنظيم الشواطئ اللبنانية رقم 4809 الذي اعتَبَرَ الشاطئ حيِّزاً طبيعياً واحداً لا يتجزأ، متواصلاً، وهو ملكٌ عامٌ لجميع اللبنانيين، يصلونه بحرية. وهو ثروةٌ وطنيةٌ، الحفاظُ عليها ضرورةٌ، وحمايتُها من التعديات ومن البناء العشوائي واجبٌ. ففرض المرسومُ، في معظم أقسام الشاطئ عواملَ استثمار منخفضة (0,3). وألزم البناءَ بالتراجع 20 متراً عن حدود الأملاك العامة البحرية. وكان صارماً لجهـة المساحات الدنيا الصالحةِ لأنواعِ الإشغالِ المختلفة: 2500 م2 للمطاعم والسكن الخاص، و7500 م2 للمطاعم والحمامات البحرية، و10000 م2 للمؤسسات الفندقية والسياحية. واشترط في هذه المناطقِ حيث ستقومُ المنشآتُ الكبيرةُ، أن لا تتعدى الواجهة 30% من واجهة العقار على الطريق الرئيس، كي لا تحجبَ الأبنيةُ البحرَ. وكان المرسومُ بالِغَ القسوةِ مع المؤسساتِ السياحيَّة الخاصَّة، فاشترط لبنائها مساحة لا تقل عن 30000 م2 دون تعديل في عامل الاستثمار.
تجمَّعات ضخمة فـي منطقة المعاملتين ـ طبرجا، غيرَّت معالم خليج جونيه بكامله

إلا أنه، سمح في مناطق المؤسسات الفندقية والسياحية، برفع عامل الاستثمار إلى 0,4، إذا بلغت مساحة العقارات بعد الضم 60000 م2. وقد سمحَ هذا الاستثناء، تُسانِدُه قراراتٌ خاصَّةٌ، بإقامة مجمَّعاتٍ بحريَّةٍ ضخمةٍ فـي منطقـة المعاملتين– طبرجا، غيرَّت معالم خليج جونيه بكامله، وشوَّهت معالمَ الشاطئ هناك. وكانت قد سبقتها إلى ذلك المجمَّعات البحرية التي شُيِّدت على الشاطئ، من حدود بيروت الإدارية جنوباً، حتى الأوزاعي، في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات.

المرسوم رقم 4810
أما المرسوم رقم 4810، الذي حدَّد نظامَ إشغال الأملاك العامة البحريَّة، فقد سمح بخصخصة الشاطئ، عندما تَجاوزَ المادةَ الأولى فيه، التي تؤكد على بقاء الأملاك العامة البحرية باستعمال العموم. وسمحَ في المواد اللاحقة، «بتخصيص جزءٍ من الشاطىء لإشغال أفرادٍ أو مجموعات». وحَصرَ هذا «الانتفاعَ بهم دون سواهم»، ضمن شروط، كان من السهل تجاوزُها، عندما سمح أيضاً، «ببناء إنشاءات دائمة على الأملاك العامة البحرية تعودُ للتجهيزات الرياضية والتنظيمية، ولملحقاتِ الإنشاءاتِ التي يتوجَّب إيجادها قريبة من الشاطئ».

نسأل مجدداً عن الحيز الطبيعي الواحد الذي لا يتجزأ!؟ الثروة الوطنية؟ الحفاظ عليها ضرورة؟

-3- تنظيم الشواطئ الشمالية والجنوبية
في ظل هذه الرؤية التي تدفع باتجاهِ زيادةِ عواملِ الاستثمارِ على الشاطئ، بالاستثناءات أو بالقرارات الخاصة، استجابةً لمفهومٍ لا يرى تشجيعَ السياحةِ الشاطئية، إلا في زيادةِ ما يُبنى على الشاطئ، وفي ظلِّ القدرة الفعلية على خصخصة الأملاك العامة البحرية كما نص المرسوم 4810… في ظلِّ كل ذلك، أصبح المرسوم رقم 4809، الذي ينظِّم الشواطئ اللبنانية انطلاقاً من جملةِ ثوابتَ نستشفُّها فيه وأهمها:
• إن الثروة، إن القيمة الحقيقية، هي في الشاطئ كمعطى طبيعي واحد متواصل. وكل بناء على الشاطئ عليه أن يتكامل معه، فيدلُّ على قيمته الحقيقية ويُبرزها. ويحمي عناصر الجذب فيه ويُفعِّلها، من مواقعَ طبيعيةٍ وأثريةٍ، وعمرانٍ تراثيٍّ، وأراض ٍ زراعية وحرجية، وموارد طبيعية، يستخدمها بطريقة لا تستنزفها. والثروةُ، من هذا المنظار، هي في حمايـةِ الأملاكِ العامـة البحريَّـة وليست أبداً فـي خصخصتها.
في ظلِّ كل ذلك، أصبح مرسوم تنظيم الشواطئ اللبنانية رقم 4809، عائقاً يلجم السياحة ويلجم العمرانَ الشاطئيَّ، كما زعموا، ومن الملحّ استبدالـه. فاستبـدل على عجل بمرسومين، مرسومٌ ينظِّـم الشواطئ الشماليـة، رقم 3362 صدر في 26/5/1972، ومرسومٌ ينظِّم الشواطئ الجنوبية، رقم 5450 صدر في 17/4/1973.
نصٌ واحدٌ، وأنظمةٌ ارتفاقيـةٌ واحدةٌ في المرسومين. وأُبقِيَ على المرسوم 4810، يـُنظِّم إشغالَ الأملاكِ العامةِ البحرية، دونَ أي تعديل.

-4- كيف نقرأُ مرسوم تنظيم الشواطئ الشمالية؟ كيف نقارنُه بالمرسوم رقم 4809؟ الذي نظَّم الشواطئ اللبنانيـة لمـدة ست سنـوات؟
في القراءة المتأنية للمرسوم يمكننا استخلاص ثلاثة عناوين رئيسة:
الأول، تشجيع السياحة، وتعزيز دورها في الاقتصاد الوطني.
الثاني، تنظيم السكن الممَّيز، جاراً للسياحة في كل الأمكنة.
الثالث، تنظيم البلدات على الشاطئ وفق النمط المعتمد فـي مدننا الكبيرة.
في العنوان الأول، ثلاث آليات اعتمدها المرسوم لتحفيز السياحة، وفق تصور واضعيه:
• الآلية الأولى، هي في تعميم المناطق السياحية، المخصَّصة للمطاعم والحمامات البحرية، والمؤسسات السياحية والفندقية، في الشاطئ الشمالي بكامله دون أي استثناء، من طبرجا حتى الحدود الشمالية في سهل العريضة. ودون الاهتمام بخصـائص الشاطئ وميزاتـه، واختلافها من منطقة إلى أخرى. ودون التأكد من ملاءمة هذه المنطقة أو تلك للإشغال السياحي الذي خُصِّصت له. وخاصةً دون أيِّ مراعاةٍ للمواقعِ الطبيعية، والمواقع الأثرية، والأراضي الزراعية، والثروات الحُرجيَّة، والمَصاطِبِ الصخريَّة النادرة.
باختصـار، إباحـةُ كل الشاطئ للبناء، وكاملَ الأملاكِ العامةِ البحرية للخصخصة، وفق استثناءات المرسوم 4810 كما ذكرناها.
الأراضي الزراعية في طبرجا وحالات وعمشيت، وخاصة في مستيتا وقرطبون، حامية الخاصرة الجنوبية للمنطقة الأثرية في جبيل، هي للمؤسسات السياحية.
ووادي نهر ابراهيم بقيمته التاريخية، وبثرواته الطبيعية، بمصبِّه وبشاطئه، هو للمؤسسات السياحية.
والشريط الشاطئي الضيِّق المشطور مرتين، بالطريق الدولي القديم وبالاوتوستراد، من المنصف حتى البترون، هو للمؤسساتِ السياحية.
وسفوح رأس الشقعة الفريد، في شكلِهِ، وموقعه، وقيمتِه الجمالية والطبيعية، هي للمؤسَّسات السياحية.
والمنطقة الأثرية في أنفه، وملاَّحاتها، وأحراجُ الزيتون فيها، كل ذلك هو للمؤسسات السياحية.
والشاطئ بكامله شمال طرابلس، من دير عمار حتى الحدود الشمالية، هو للمؤسسات السياحية.
إنه البناء المتواصل، يغطِّي الشاطئ بكامله. إنه طوفان السَّواح علينا وفق تصوُّر واضعي المرسوم، يأتون من كل صوب، يسكنون عندنا في كل قفر، ويُغرقوننا جميعاً ودون استثناء، في نعيمِ ثروةٍ متجدِّدة، لا تنضب.
• الآلية الثانية، هـي فـي رفـع معدل الاستثمار السطحي في هذه المناطق ورفع عامل الاستثمار العام فيها. من 15% إلى 20% لمعدَّل الاستثمار السطحي، ومن 0,30 إلى 0,4، لعامـل الاستثمار العام. وبعد بضع سنوات، سمح القانون رقم 6/80، بزيادة طابق وفق آلية خاصة، سمِّـي «طابق المر»، أُضيف إليه في المناطقِ المنحدرةِ طابقٌ آخر معروفٌ «بالطابق السفلي المكشوف». وهكذا تضاعف عاملُ الاستثمارِ في المناطق السياحيةِ على الشاطئ فصار عملياً 0,8. وقفز عدد الطوابق من طابقين إلى أربعة. فازدادت المباني ضخامة وارتفاعاً، وحجبتِ البحرَ، والتهمتِ الشاطئ، وأغلقته بإحكام. وتضاعفَتْ الكثافة السكَّانية في مناطقَ غير مجهَّزة لاستيعابها، بكل ما لهذه الكثافة السكَّانية المضاعفة من تأثيرات سلبية، في البيئة المحيطة وفي مواردها الطبيعية.
ولم يتغيَّر الوضع نسبياً، بعد وقف العمل بما سُمِّي «طابق المر».

التعديات المتتابعة القبيحة الوقحة. أين الحفاظ على الثروة الوطنية؟

• أما الآلية الثالثة، فهي تخفيفُ الشروط الارتفاقية، المفروضة على البناء في هذه المناطق بخطواتٍ بالغة الإساءةِ إلى الشاطئ، وإلى الأملاكِ العامة البحرية. وأهم هذه الخطوات:
خفض التراجع الإلزامي عن الأملاك العامة البحرية من 20 متراً إلى 10 أمتار.
تخفيض المساحة الدنيا المُعدَّة للإشغال السياحي المتنوع.
وفي العنوان الثاني، هاجس تَجاوُرِ منطقة المنشآت السياحية والفندقية، مع نمطٍ مُميَّز للسكن.
فقد لحظَ المرسومُ آليةً واضحةً لمحاولة تحقيق هذا الهدف. فعلى امتداد الشاطئ، لحظ المرسوم، شرق المنطقة السياحية وبموازاتها، منطقةً سكنيةً سمَّاها منطقة الإمتداد السكني الثانية (D2)، وخصَّها بنظامٍ ارتفاقيٍّ يُنتِج نسيجاً مبنياً متجانساً، ينجسمُ مع المنشآت السياحية التي ستقوم أمامه، على امتداد الشاطئ.
وفي العنوان الثالث
نشير، إلى إصرار المرسوم على تنظيم بلدات الشاطئ، وفقَ النمط التنظيمي المعمول به في مدننا (بيروت وطرابلس مثلاً). فإذا استثنينا البلدات التي أُعِدَّ لها مخططات توجيهية وتفصيلية خاصة بها، (جبيل وعمشيت مثلاً)، فإن المرسوم 3362 تاريخ 26/5/1972، قد نظَّم معظم البلدات الأخرى مثل أنفه، وشكا، والبترون، والبوار، والعقيبة، وغيرها، على امتداد الشاطئ.
ففي البترون وشكا كمثالين لبلدتين، أو لمدينتين صغيرتين، يتراوح عدد السكان فيهما بين 12000 و16000 نسمة، وتتراوح مساحةُ كل من المنطقتين العقاريتين بين 5 كلم2 و 8 كلم2، نُفَاجأ بدايةً، بأن كلَّ أراضي البلدتين يصنِّفها المرسومُ أراضي صالحة للبناء، تُفُرز وتُباع على هذا الأساس. فلا وجود لأرضٍ زراعيةٍ تُحمى، ولا لمساحةٍ حرجيةٍ يُحافظ ُعليها للنزهة أو للتنفس، أو تُختارَ لتكون احتياطاً للمستقبل.
والمرسوم يُبعثرُ البناءَ في أراضي البلدتين في كل الاتجاهات، برغبةٍ وبتصميمٍ غير مفهومين، في ظلِّ الأفكار التنظيمية التي سادت في الغرب، في بداية السبعينيات، وهي ملهمتنا.
ثم نفاجأ أيضاً أن التنظيم يقومُ أساساً على لحظِ منطقةٍ تجارية تحوطُ الطريق الدولي الذي يخترق البلدة (البترون مثلاً)، لها نظامٌ ارتفاقيٌّ خاصٌّ بعاملِ استثمار مرتفع (2) وبعددٍ للطوابق مرتفع أيضاً (أربعة طوابق تصبح خمسة طوابق مع الطابق السفلي المضاف).
ويعتبر المرسوم المنطقة التجارية كما حدَّدها قلبَ البلدة، متجاهلاً قلبها التاريخي. ثم يـُنظِّم البلدة حول قلبِها المُفترض هذا، كما نُظِّمت بيروتُ حول وسطِها، في أربع أو خمس مناطق سكنية بعوامل استثمار مختلفة، وبأنظمة ارتفاقية متعددة. مع تخصيص الواجهة البحرية للمنشآت السياحية والفندقية، من دون أن ننسى الوجود شبه الدائم، للمنطقة الصناعية.
فنستغرب كل هذه البعثرة في إشغال الأراضي، وكل هذه «العجقة» من الأنظمة الارتفاقية المعقدة، في مثل هذه البلدات الصغيرة، والتي تُفقِدها طابعَها، وتفقدُها سِحرَها وهُويتها.

رأس الشقعة، موقع استثنائي فريد، حمايته ضرورة وطنية

-5- البناء في الشواطئ الشمالية عملاً بالمرسوم 3362 وفي زمن الحرب
علينا أن نُقِرَّ بدايةً، بعد هذه المقاربة النقدية للتشريعات التي تنظِّم الشواطئ الشمالية، علينا أن نُقِرَّ، أن الأوضاع العامة في البلاد، لم تساعد على اختبارِ نتائجِ العملِ بالمرسومِ 3362 في ظروفٍ طبيعية. إذ داهمتنا الحربُ بسرعةٍ بعد صدوره. والحربُ حالةٌ غير طبيعية بالتأكيد. ثم داهمتنا بعد توقُّفها، سنواتُ الإعمارِ، (1992-1996) وكانت هي الأخرى في مجال انتشار البناء غير طبيعية. ثم تبعتها تقلباتٌ متعددة، من الركود ومن طفرات البنيان، وصولاً إلى سنوات الركود، المستمرة حتى الآن.
إلا أننا نستطيع، رُغم هذه التقلُّبات المتسارعة، أن نتكلَّم عن طفرتين في انتشار البنيان في الشواطئ الشمالية. الأولى، أثناء سنوات الحرب، والثانية، أثناء سنوات الإعمار.
كيف تجلت الطفرتان، في منطقة الشواطئ الشمالية؟
من نهر الكلب حتى طبرجا، أقفلَتْ المجمَّعاتُ البحرية، ونواديها المغلقةِ الواجهةَ البحريةَ بإحكام. فاحتلَّت الأملاكَ العامة البحريَّة بالمرسوم رقم 4810 أو بالتعديات. وخصخصت الشاطئ وجزَّأته، مدمِّرة وحدته الطبيعية. وحوَّلته إلى جزرٍ استثماريَّة مستقلَّةٍ ومتلاصقة، جاعلةً الوصول إلى مياه البحر حكراً على البعض، مانعة اللبنانيين من حقِّهم الطبيعي بالوصول إليها، هناك. وبدت الطفرةُ شاملة حتى تجمع المعاملتين طبرجا، باعتبار منطقة جونية في حينه، لدى البعض منَّا، بديلَةً من بيروت أثناء الحرب، وضاحيةً لها بعد توقفها. وبدا تشويهُ الشاطئ كلياً.
ومن طَبَرجا حتى بقاقِ الدين، ثم حتى حالات – الفيدار، بدا فعلُ الطفرةِ متناقِصاً كلَّما ابتعدنا عن جونيه أي عن ضاحيةِ بيروت. ليتوقف في حالات الفدار على أبواب جبيل، التي يتعذَّر اعتبارها ضاحية لمدينة بيروت، نظراً إلى المسافة التي تفصلها عنها، وربما أيضاً نظراً إلى قيمتها بذاتها، التاريخية والثقافية.
الأراضي الزراعية في طبرجا وحالات وعمشيت، وخاصة في مستيتا وقرطبون، حامية الخاصرة الجنوبية للمنطقة الأثرية في جبيل، هي للمؤسسات السياحية


فالفجواتُ في الجدار الذي يَغلُقُ البحرَ هناك كثيرة، وكبيرة، رُغم النزوحِ الكثيفِ إلى هذا الجزءِ من الشاطئ أثناء الحرب. وتواصُلُ النسيجِ المبنيِّ، الذي يُوحي به استمراره الشريطيّ على جانبي الطريق الدولي القديم، أو على جانبي الاوتوستراد، هو إيحاءٌ كاذبٌ، لأن التدقيقَ الميدانيَّ يُظهِرُ بعثرةً في البناءِ، وهدراً كبيراً في إشغال الأراضي، واختلاطاً واضحاً للبناءِ مع الزراعةِ الناجحةِ، في البيوت البلاستيكية وخارجها.
وتنتصرُ الزراعةُ في حالات ومستيتا وقرطبون. وكأنها تُريد أن تجعلَ من ثباتها هناك، حاجزاً، يحولُ دون تمدُّد البناء المبعثر، ودون بناءِ المجمَّعات البحرية المدمِّرة، على نسقِ مجمَّع حالات الشهير.
أو كأنها تُريد أن تحمي مدينةَ جبيل التاريخية، من زحفِ الاستثمار الشاطئيِّ المتوحِّش.
ومن القلمون حتى طرابلس، الوضعُ مشابهٌ لما هو عليه بين نهر الكلب وطبرجا. فقد احتلت المجمَّعات البحرية الكبيرةُ كلّ الواجهة البحرية. فاعتدت، وخصخصت، وشوَّهت، كزميلاتها في ضاحية بيروت الشمالية.
ولكن أين السياحةُ في كل هذا؟
أين المؤسسات الفندقية والسياحية التي نصَّ عليها المرسوم 3362؟

-6- كخاتمة لهذا الجزء من البحث، مقولات ثلاث:
أ- لا تشكِّلُ المجمَّعات البحريةُ التي نشأتْ خلالَ الطفرتين، طفرةُ الحربِ وطفرةُ الإعمار، مؤسساتٍ سياحية، تساهم في تطوير الاقتصاد الوطني وفي نموِّه. إنها نوعٌ من قرى الاصطيافِ على الشاطئ، يملكُ اللبنانيـون 60% منها، ويستأجرون موسمياً 20% منها أيضاً.
يعيشون في داخلها طيلةَ فصل الصيف، منغلقين على أنفسهم، يشاركون أهلَ المناطقِ حيثُ تقوم، الماءَ، والكهرباءَ، والهاتفَ، والطرقات.
يلوَثون البحرَ بمجاريرهم، والهواءَ بدخانِ سياراتهم، والأرضَ بنفاياتهم.
يحتكرون البحرَ دون أن يستعملوه، إذ تجرى كلُّ نشاطاتهم البحرية، سباحة وتسلية في الأحواض وحولها، ويحتكرون الشاطئ دون أن تدوسه أقدامُهم.
كلُّ ذلك دون أن يقدِّموا إلى مناطقِ اصطيافهم على الشاطئ، ما يُساعِدُها ويُساهم في نموها.
ب- والمجمَّعات البحريَّة ليست مؤسسات فندقية، وليست مجهَّزة لتقديم الخدمات الفندقية المعروفة. والأقسامُ المعدَّة للإيجارِ القصير المدَّةِ للسوَّاح، لا تتعدَّى الـ 10% منها، هذا ما تُظهره التحقيقات الميدانية في المجمَّعات– الطفرة، أينما وُجدت.
ج- إن المجمَّعات البحريَّة القائمة أو التي ستقوم، هي عمليَّاتٌ عقاريةٌ صرف، يقومُ بها أفرادٌ قلائل بهدفِ الربح، عَبْرَ المتاجرة بالعقارات، يبنون عليها بعد شرائها أو بمشاركة أصحابها. فيتحول بذلك مالكو العقاراتِ المواجهة للشاطئ، إلى نواطير على عقاراتهم، ينتظرون من يأتي لشرائها، أو لبنائها بمشاركتهم.
* معمار لبناني