تونس | حتى الأول من تموز (يوليو)، تعيش العاصمة التونسية على إيقاع الرقص. على غرار نظيره السينمائي، تسعى الدورة الاولى من مهرجان «أيام قرطاج الكوريغرافية» إلى تسليط الضوء على عروض جاء أغلبها من بلدان «الجنوب» -أي عربية وأفريقية بالأساس- بهدف إعطاء الفرصة للراقصين الشبان لتقديم عروضهم، وكسر التبعية الثقافية مع البلدان الأوروبية. شارة الانطلاق أعطاها غريغوري ماكوما وفيا فاتلينغونغ في عرضهما Via Kanana السياسي بامتياز. إذ كرّس الثنائي خلاله طاقة الراقصين الثمانية لطرح موضوع الفساد في أفريقيا. تدور فعاليات المهرجان في فضاءات متنوعة في وسط المدينة ولا سيما «مدينة الثقافة»، في خطوة رمزية أريد بها نبذ الفكر الاحتكاري والتشديد على رعاية السلطات للحدث. قبل الافتتاح، حاورت «الأخبار» مديرة المهرجان مريم قلوز. الأستاذة المساعدة في «جامعة باريس ديكارت»، تهتم أبحاثها بالعلاقات بين الخطابات السياسية وأجساد المؤدين العرب. كما أنها راقصة/ مؤدية وممرنة في مجال الرقص العربي.


يعاني الرقص عادة من صورته كفنٍّ نخبوي أو هامشي، أي غير متاح للجميع، والحال أن الرقص ممارسة شعبية حاضرة في جميع الاحتفالات. من أين أتت هذه الصورة النمطية؟ وهل هي حكر على المشهد الثقافي التونسي، حيث تحظى فنون أخرى مثل السينما والمسرح، بشعبية واسعة؟
- منذ البداية، كان فريق المهرجان واعياً إلى أنّ برنامجاً كهذا لا يمكن أن يكون إلا نخبوياً. لكن يجب التنويه إلى أن هذه الصورة ليست حكراً على تونس، بل هي شائعة عبر العالم، بسبب البعد التجريدي لهذا الفن وارتباطه بالفن المعاصر عموماً. كما أن الرقص المعاصر تواصل نوعاً ما لرقص الباليه الكلاسيكي رغم قطعه معه، وهو بذلك يسعى لخلق فكر ما. من الضروري إذن أن يكون الجمهور على دراية برموز هذا الفن حتى يتمتع بالعروض. التحدي الذي وضعناه لأنفسنا هو أننا لم ننكر هذه النخبوية، لكننا اخترنا مرافقتها ـ كما تنقل المعرفة- حتى تصير متاحة لجمهور أوسع. من هنا جاءت فكرة «ورشات المتفرج» التي اقترحناها خلال الأسبوع وسبقت افتتاح المهرجان، وقمنا خلالها بعرض ومناقشة أفلام حول تاريخ الرقص. هدفنا من ذلك هو إعادة اعتبار الوسائل الفكرية المتاحة أمام الجمهور الواسع لاستيعاب والتمتع بعروض الرقص المعاصر، ولم لا، أن يسمح كل مشاهد لنفسه برؤية العروض وتقييمها من خلال قراءته الشخصية، من دون البحث عن شرعية ما. الجمهور الأوروبي تمتع بتدريب على الفن المعاصر في العقود الأخيرة، لا سيما بفضل العمل الذي قامت به مؤسسات مثل مراكز الرقص الوطنية أو الجامعات، في حين أنّ الراقصين في تونس لا يتمتعون حتى بمناهج دراسية خاصة بهم، بل يعتادون معاهد المسرح والفنون الجميلة. من جهة أخرى، عرفت تونس، منذ التسعينيات، عدداً من المحاولات الناجمة عن الدولة لوضع إطار حكومي رسمي لعمل الراقصين، مثل الباليه الوطني. وهذا المهرجان يدل على اهتمام الدولة مجدداً بهذا المجال.

في هذا السياق، قدم المهرجان على أنه أول بادرة «حكومية» للرقص في تونس. ألا يبدو هذا الاستعمال بالياً بينما تتحدث بلدان أخرى عن مهرجانات «عمومية»؟
أردنا التأكيد على كون المهرجان تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية والمؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات، أي إنه ذو تمويل حكومي. إذ تتوافر مهرجانات أخرى للرقص في تونس، لكنها نابعة عن القطاع الخاص. صحيح أن استعمال معجم كهذا قد بدو بالياً، لكن التأكيد على حضور الدولة أمر مهم. فالفنانون اليوم يعتمدون على الممولين الخواص والمنح الدولية، لا سيما من قبل المنظمات غير الحكومية. طبعاً، هذه المساعدة مهمة، لكن الأهم، إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية تونسية، أن تعترف الدولة بالفنانين الذين لا يتمتعون بوجود قانوني، وأن تتحمل مسؤوليتها في تمويلهم، حتى لا يظلوا في تبعية مع الغرب.

مجانية حركة الرقص تحمل بحد ذاتها بعداً سياسياً ( مريم قلوز)


اخترت أن تكون افتتاحية البرنامج سياسية بامتياز، إذ تحدثت عن الهجرة والحدود ومعاناة الأجساد. قد نستغرب هذا الخطاب إذا اعتبرنا، مثل البير كامو، أن الرقص فنٌّ مجاني بالأساس، إذ لا مبرر ولا ضرورة لحركاته التي لا تحمل معنى بحد ذاتها.
صحيح، لكن مجانية حركة الرقص تحمل في حد ذاتها بعداً سياسياً. من المهم التمييز هنا بين الفن والثقافة. من الوارد جداً اليوم أن يدعو مهرجان أو جهة ثقافية معينة الفنانين إلى مهمة ما. هذا لا يعني أنه ليس بصدد خلق مشروع فني، لكنه يكرس هذا الفن لصالح مهمة ثقافية معينة.
وهنا يظهر البعد السياسي لمجانية الفن المعاصر، فهو في نفس الوقت الأصل والغاية، وهو بذلك يؤدي نفسه بنفسه. هذا البعد يذكرني بسؤال المفكر الفرنسي جان لوك نانسي «كيف نعيد تفكير عيشنا المشترك؟»، أي كيف نعيد تفكير تجربتنا الحسية المشتركة؟ علاقتنا اليوم بالجسد، بالحركة، بالسرعة، بالزمان والمكان مختلفة. فالبادرة السياسية تكمن في هز هذا الواقع ومساءلته.
كما نجدها، بصورة أخرى، في عمل الفنانين الذين استضفناهم وتدور عروضهم حول مواضيع الهجرة والمثلية الجنسية والأقليات. هنا يكمن البعد السياسي في خطاب الفنان ورؤيته، في خياراته الشخصية، في علاقته بجسده وبالجمهور، وليس في الفن بحد ذاته. وهكذا يكون الرقص لقاء بين السياسة كفكر وكممارسة.

كمديرة مهرجان، هل اكتشفت عروضاً جديدة أو إشكاليات معينة خاصة بتركيز البرمجة على فناني الجنوب؟
كنت أتابع كباحثة عمل هؤلاء الفنانين، لكنني، كمديرة مهرجان، اكتشفت أنه من الأصعب استضافة فنان عربي – ما عدا الفنانين المغاربة - من استضافة فنان غربي، بسبب التأشيرات!
من ناحية أخرى، تفرض هذه البرمجة سؤالاً مهماً حول مفهوم الحداثة في العالم العربي وبلدان الجنوب عموماً. هل هي فكرة عالمية شاملة، أم وجب تكييفها بحسب الإطار الذي يحتضنها؟ وهل يمكن التحدث عن خصوصية للفن العربي المعاصر؟ أسئلة كهذه يطرحها مثلاً العرض المشترك لالكسندر بوليكيفيتش وسعدية سويح ونادية الصايجي تحت عنوان Les Dézorientales. ثلاثتهم ينطلقون من خطوة رقص تقليدية شرقية كانت أم جزائرية أو تونسية، لكنهم يتساءلون عن إمكانية تحديث هذه الخطوة في سياق حياتنا المعاصرة التي تفرض ممارسات جسدية مختلفة عن تلك التي عرفتها الأجيال السابقة. أو بمعنى آخر: كيف نخلق رقصاً معاصراً يشيد ببعده العربي من دون السقوط في الفولكلور.

* «أيام قرطاج الكوريغرافية»: حتى الأول من تموز