اتخذ القرار في حلقة ضيقة، الخلاص من عقل متوقّد قابل للانتشار والعدوى، يستطيع الإضافة والتّجدد، يعطي لفلسطين ولا يأخذ منها، مثقف استثنائي، كانت حياته استثنائية، فكان قرار قتله استثنائياً. تذكرنا بعبارة الحاكم الفاشي يوم محاكمة غرامشي بقوله: يجب أن نوقف هذا الدماغ عن العمل لمدة عشرين عاماً.

لكن غسان كنفاني (8 أبريل 1936 ــــ 8 يوليو 1972)، قرر ألا يموت، لم يتوقف دماغه عن العمل، ابن عكا التي لا تخاف هدير البحر، هكذا يتوالد كل عام، وتفيض أسئلته وكلما استفزنا الفراغ الذي يتسع، ومع الآفاق التي تضيق، والجهل الذي يتفشى، وهو المولود مع برقوق نيسان في ثورة عام 1936.


إنه سرّ الحياة في موت استمر منذ 46 عاماً، منذ أن رحل مبكراً ذات صيف تموزي في بيروت عام 1972، واغتيل مبكراً ولكنه ظل شاباً لا يشيخ! بعدما صنع أسطورته الخاصة على أنقاض النكبة وفي قلب الدياسبورا الفلسطينية وأنتج أدباً وفكراً لا يفارق الحياة.
منذ بدأ سيرة المنفى غداة صدمة النكبة، وهو يكتب سرداً عن رمزية الموت كسبب للولادة! يريد اكتشاف حقيقة العلاقة بين الشعب الفلسطيني والموت. كتب في «موت سرير رقم 12»: «إنني أريد أن أتكلّم عن الموت. عن موت يحدث أمامك لا عن موت تسمع عنه. إن الفرق بين هذين الطرازين من الموت فرق شاسع، لا يستطيع أن يدركه إلا من يشاهد إنساناً يتكمّش بغطاء سريره بكل ما في أصابعه الراجفة من قوة كي يقاوم انزلاقاً رهيباً إلى الفناء». وكما أشار في مكان آخر من ذات القصة: «إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت، إنها قضية الباقين المنتظرين بمرارة دورهم لكي يكونوا درساً صغيراً للعيون الحية».
لذلك ظلت هذه المسألة عند غسان كنفاني تنطلق مع كل تفكير من نقطة الموت. كأنه يعلم أنّ الموت الذي يلاحقه سيقع في فخاخه.
لذلك قرّر ألا يموت، أن يبقى حياً يرزق بأعماله المخلّدة، وكلما طال غيابه يزداد الشغف والمتابعة، وندوات ولقاءات وحلقات نقاش ودراسات ومحاضرات، تصدر تباعاً عقب موته، كأن غسان يكتب لنا من العالم الآخر. كأنما السبب أنه لم يكن أديباً فحسب، أو محرراً في صحيفة، غسان المثقف الثوري والمقاوم والمناضل والقيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والناطق باسمها ورئيس تحرير مجلة «الهدف»، وبالرغم من تعدُّدِ أشغاله، غزير العطاء، منغمساً في السياسة والتجربة الحزبية.
هزم موته استباقياً وقبل أن يحدث، حين حوّل البراكسيس حياته المستمرة، منخرطاً في الفكر والتنظيم والعمل. يمارس ما يقول ويكتب ما كان يفعل. ممارسة تهدف إلى التغيير الثوري، ويكف عن البحث في واقع يحمل تناقضاته في ذاته، كي يدرك أن تجاوز كل العقبات يكون بفكر سياسي نقدي يستند الى ممارسة تحررية جماعية وثورية.
«رجال في الشمس» العلامة الفارقة في تاريخ الأدب الحديث


كان المثقف الأشد خطراً، لأنه يستلهم من مفهوم البراكسيس فعاليته وحركيته أساساً من الواقع الأكثر بؤساً والفئات الأشدّ قهراً والتي تكمن مصلحتها في ذلك التغيير.
كل موقف من مواقفه، وكل تفصيل من تفاصيل حياته، نراه يصعّد هذا الانتماء وهذا الانتساب الى درجة المقاومة، ويؤكد هويته ويؤطرها بالاتزان والحقيقة والمصداقية.
«انتبهوا لغسان لأن إحدى المجلات نشرت له صورة مع يابانيين قالوا إنهم من الجيش الأحمر الياباني». هكذا قال الشهيد أبو علي مصطفى، فأخذ الدكتور وديع حداد الأمر على محمل الجد وبالاتفاق مع غسان على ضرورة التقيّد بإجراءات احترازية: مكتب بديل غير معروف، شقة سكنية بديلة، سائق سيارة، تغيير ساعات التردد للعمل وكسر الروتين.. يقول أبو علي مصطفى لكن غسان لم يكترث كثيراً بهذه الإجراءات.
يسخر من الثقافة الموسمية أو المستأجرة أو الثقافة السلعة أو التي أطلق عليها بسخرية سوداء اسم «ثقافة التكسي» حين وصف بعض المنابر كسيارة التاكسي أي من يدفع يركب! طبعاً هذا قبل ثورة التواصل الاجتماعي ودخول عالم ثقافة «الهارد ديسك».
الالتزام الثقافي الذي ــ ورغم مرضه ــ تحّول بمجموعه الى خلية نحل مثابر لإحداث تغيير في واقع شعبه الفلسطيني، من خلال العمل السياسي والثقافي، فالأمران بالنسبة إليه لم يكونا نقيضين بل كانا وسيلتين متكاملتين، مبيناً ذلك مقولته الشهيرة «واجب السياسي أن يكون مثقفاً والمثقف أن يكون مسيساً».
كنفاني الفكرة التي لم تسقط، لأنه لم يكن مثقفاً متفرجاً بل المثقف الناقد وابن القضية بكل معاناتها ومآسيها، لا يلقي الدروس على الآخرين ويأمرهم على الورق ماذا سيفعلون وما لا يفعلون! أو الذي يريد أن يستدرّ عطف العالم، أن يحاول تغيير الواقع بدون أنْ يحرِّكَ ساكناً، فكان له قولاً مأثوراً يكرره حين يشتد الجدل مع يسار الجملة الثورية فيقول: «إن اليساري هو من يتقن القدرة على التحليل العلمي للظواهر وليس الذي يتقن فن لحس حواف الكتب الثورية..».
كنفاني جسّد سيرة جماعية وهو في سنٍّ مبكِّرَة يعيش القضية الفلسطينية، فقد شُرِّدَ من بلده، وعانى في معايشة شعبه وهم يقاسون النكبة في المخيم وفي الغربة.
غسان كنفاني صاحب «رجال في الشمس» وهي أفضل ما كتب، فهي أول محاولة جدّية ناضجة لإبراز عذابات اللجوء ووجع المنفى. وطرحت أسئلة الحلول الفردية الزائفة في مواجهة المنفى، والبحث عن إجابة تلامس حقيقة فلسطين بين الجنة والصحراء. فهي الرواية والتغريبة الفلسطينية، والعلامة الفارقة في تاريخ الأدب الحديث، التي يزداد الاهتمام بها بشكل غير عادي، من القراء والنقاد، الكل يتحدث عنها بإعجاب متزايد.
عمل أدبي يمتلك كل أسباب الحياة، يتنفس كل لحظة بفعل إبداعي يملك عليك نفسك وأحاسيسك. حتى أبطالها الذين شواهم لهيب الصحراء في الصهريج. ما زالوا شهوداً أحياء يتكاثرون مع المنافي الجديدة، وهم كذلك طالما سائق الشاحنة «أبو خيزران» يقود أسعد وأبو قيس ومروان على طريق الخيبات الجديدة وفي زمن الفرار، فتختلط لقمة الخبز بموت آخر فوق مزبلة الصحراء وصدى السؤال يتردد حتى اللحظة: «لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟».
تعلمنا أن الموت يتحول الى عرس للحياة، ولكن ليس بإحياء الذكرى يحيا الإنسان، إن لم يكن لديه ما يجعله أن يموت فينا وإن كان حياً، وغسان ذلك الإنسان الذي اتخذ قراره ألا يموت. ينبض بفكره الحي وأعماله المنشوره وغير المنشورة، المكتملة وغير المكتملة، وقصص وخربشات ونصوص ورسائل ومقابلات، وربما يفوق عددها أعماله المعروفة في حياته.
غسان النبوءة والفكرة والرؤية الاستشرافية للمستقبل، ومن شهادة للشهيد القائد أبو علي مصطفى في حوار معه جرى في قاعدة عسكرية في أغوار الأردن عام 1968:
غسان كنفاني: نحن ثورة الشتات نحو الداخل في أرض ليست مواتية لها.
المقاتل أبو علي مصطفى: وماذا ترى؟
غسان كنفاني: إن استطاعت الثورة الحفاظ على نفسها.. فنحن نقترب من الوطن.
* روائي وقيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين