القاهرة | بالتأكيد، لم يتوقع الكاتب والسينارست المصري وحيد حامد أنّ مطالبته بكشف فساد «مستشفى 57357»، ستبلغ ذروتها مع إحالة رئيس «المجلس الأعلى للإعلام» مكرم محمد أحمد إلى نيابة أمن الدولة العليا! وكان الأخير قد أصدر قراراً بحظر النشر في هذه القضية التي هزت ثقة المصريين في المؤسسات الخيرية. لذا، لم يطلب المستشار هشام صادق النائب العام المصري، بشكل ودي من مكرم محمد أحمد التراجع عن قراره المثير للجدل. الطلب الودي هو أكثر ما توقعه المندهشون من قرار الصحافي الكبير (مواليد عام 1935) خصوصاً بعد سيل الانتقادات التي طالت القرار الصادر يوم الأربعاء الماضي، وتأكيد الجميع على أنه بذلك قد تعدى على اختصاص النيابة العامة. فهي الوحيدة التي تتمتع بسلطة إصدار قرار «حظر نشر» في أي قضية لا تزال طور التحقيق ولم تحل إلى المحكمة بعد. صحيح أن مكرم استخدم تعبير «وقف»، لا «حظر»، لكن الأمر كان صادماً لكثيرين. فمن المفترض أنّ دور المجلس هو حماية المهنة وصون حرية الصحافة ومحاسبة المتجاوزين بحقها، لا أن يتدخل لمنع نشر مقالات تكشف قضية فساد! هكذا كان التصرف غير مبرر، حتى لو دافع عنه مكرم محمد أحمد لاحقاً في تصريحات تلفزيونية. إذ أشار إلى أنّ المادة 26 من قانون قيام المجلس، تبرّر ذلك. أمر يؤكد بأنّ الكثير من القوانين التي صدرت على عجل في العامين الأخيرين، تتضمن مواد تتعارض مع قوانين أقدم، وإن كانت المادة 26 من القانون لم تنص على الحظر وإنما «منع نشر أو بث المادة الصحافية أو الإعلامية لفترة محددة أو بصفة دائمة، ويتم إخطار النقابة المختصة بفتح التحقيق اللازم في المخالفات التي تقع من أحد أعضائها». لكن هذه المادة كانت تعني فقط في حال «رصدت لجنة تقويم المحتوى في المجلس، انتهاكاً من أي مؤسسة صحافية أو إعلامية للقواعد والمعايير المهنية». وتبدأ بعبارة «مع عدم الإخلال باختصاص النيابة العامة». إذاً، فسّر مكرم محمد أحمد أو من دفعوا به لإصدار القرار المستغرب، المادة على هوى من يريدون كتم الصوت الداعي إلى التحقيق في ملف فساد «مستشفى 57357». غير أن النائب العام، لم يكتفِ برفض قرار وقف النشر واعتباره معدوم الأثر، بل طلب من مكرم محمد أحمد المثول أمام نيابة أمن الدولة للتحقيق معه في إصداره قراراً يتعدى على السلطات القضائية. وفوراً، انطلقت حملة تندد بأي دعوة للتضامن مع نقيب الصحافيين الأسبق، كونه اتخذ القرار باعتباره مسؤولاً حكومياً لا صحافياً. بل إنّه أول صحافي يتولى منصباً رسمياً يتخذ من خلاله قراراً بوقف النشر، أي إنه يتحدى أبناء المهنة ويمنعهم من ممارسة عملهم بدلاً من الدفاع عنهم والتفريق بين ممارسة الكتابة بحرية والإخلال بقواعد النشر.

نيران الغضب طالت أيضاً نقيب الصحافيين عبد المحسن سلامة، كونه لم يتحرك للرد على مكرم محمد أحمد ورفض القرار وترك المجال لتدخل النائب العام. ويتعرض سلامة لانتقادات أخرى بسبب موقف النقابة الضعيف أمام قانون الإعلام الموحد الذي يعترض عليه معظم الصحافيين، وتريد الدولة تمريره من مجلس النواب خلال الأيام المقبلة. علماً أنّ القانون يمتلئ بمواد كتلك التي استند إليها مكرم محمد أحمد، إذ تتداخل مع اختصاصات جهات أخرى وتزيد القيود المفروضة على الصحافة والصحافيين، إلى جانب حالة التردي الاقتصادي التي تعانيها المؤسسات الصحافية في مصر ولم تعد تقتصر على الصحافة الحكومية.
إلى حين مثول مكرم محمد أحمد أمام النيابة، وهو الإجراء الذي اعتبره كثيرون بمثابة السقوط الأخير للأستاذ الكبير، بعد سلسلة من القرارات التي أغضبت أبناء المهنة خلال الأعوام الفائتة، تبقى نار أزمة «مستشفى 57357» مشتعلة. تلك النار أوقدها مقال لوحيد حامد طالب فيه بالتحقيق في كيفية صرف أموال التبرعات التي تحصل عليها المستشفى الخيرية الأشهر في مصر. إذ إنّ هذا الصرح الذي تأسّس منذ نحو 11 عاماً، يستحوذ بمفرده على قرابة مليار جنيه سنوياً من حجم التبرعات للمستشفيات والجميعات الخيرية (50 مليون دولار تقريباً). تلت ذلك سلسلة مقالات من حامد وآخرين كشفت عن مخالفات هائلة، في حين قررت إدارة المستشفى عدم الردّ إلا على الجزء اليسير منها. أما القنوات المصرية، فصمتت على هذه القضية، كونها تحصل على ملايين الجنيهات سنوياً من ميزانية الدعاية للمستشفى!