القاهرة | خمسة أفلام مصرية روائية ووثائقية اختيرت للعرض ضمن «ثلاثاء الأفلام» هذا الشهر في «دار النمر» وهي: «هرج ومرج» لنادين خان، «آخر أيام المدينة» لتامر السعيد (اليوم ـ س:18:00)، «جلد حي» لفوزي صالح (17/7)، «فرش وغطا» لأحمد عبد الله السيد (24/7)، و«موج» لأحمد نور (31/7).

«آخر أيام المدينة» لتامر السعيد

صناع الأعمال الخمسة ينتمون إلى جيل تفتح وعيه وبدأ العمل في الفن السابع خلال العقد الأول من الألفية الثالثة، باستثناء تامر السعيد الذي يسبقهم قليلاً. كلهم ينتمون إلى ما يعرف بحركة «السينما المستقلة» في مصر التي تعتمد على الإنتاج المنخفض والعمل خارج شروط السوق والصناعة وجهات الإنتاج والتوزيع المعروفة. تمثل الأفلام الخمسة نماذج من أعمال هذا الجيل المختلف. وأهم ما تتسم به هو نوع من «الحساسية الجديدة» تتمثل في اختيار الموضوعات والمعالجات غير التقليدية لها وعدم الاعتماد على «النجوم»، وأيضاً الصوت الهادئ والتعبير غير الصاخب بشكل عام.
في «هرج ومرج» (2013) الذي عرض الأسبوع الماضي، تقدم السينمائية الشابة نادين خان نفسها من خلال عمل طازج، ومبتكر. محاكاة فوق واقعية، سيريالية لأفلام «الواقعية الجديدة» في السينما المصرية التي ظهرت في ثمانينيات القرن الماضي من خلال مخرجين أمثال عاطف الطيب، داود عبد السيد، وخيري بشارة ومحمد خان، والد نادين.
في حارة افتراضية أشبه بجزيرة منعزلة عن العالم، أو سجن مفتوح، أو غابة مفتوحة، ليس هناك اتصال بين أهلها والعالم الخارجي إلا سيارات تزورها أسبوعياً لتزويد أهلها بحاجاتهم من مياه وطعام وحلوى ومشروبات.
يدور الفيلم خلال أسبوع واحد في حياة هذه الحارة، أو المنطقة العشوائية. يرسم شخصياته التي تتصارع على الطعام والماء والجنس والمخدرات، وتصل الصراعات إلى ذروة تنتهي بزواج وموت وكشف، مثلما يحدث في الدراما عادة. لكن فعلياً لا شيء يتغير، لأن الحارة وسكانها يظلون يجترون حياتهم وعاداتهم بلا تغيير. تعتمد نادين خان على ممثلين شباب منهم أيتن عامر، ومحمد فراج، ورمزي لينر، لم تكن الدراما التلفزيونية قد اختطفتهم بعد، إلى جانب القلائل من ذوي الخبرة مثل صبري عبد المنعم وهاني المتناوي. أداء جماعي متناسق مع روح الفيلم السريالية، كما لو أنهم في لعبة أو حلم أشبه بالواقع.
يخلو «هرج ومرج» من الخطابية أو إشارة مباشرة إلى السياسة أو حتى الزمن الذي تدور فيه الأحداث، لكنه تجسيد مثالي لحساسية جديدة ظهرت قبل «ثورة يناير» وازدهرت معها، وانكفأت على نفسها مع انتكاسة الثورة. للأسف لم تصنع نادين خان فيلماً آخر بعد «هرج ومرج»، واكتفت بعمل تلفزيوني مشترك مع زميلتيها هبة يسري وأيتن أمين.
«آخر أيام المدينة» مثل آخر على الحساسية الجديدة التي ظهرت قبل الثورة ونضجت في أتونها. الفيلم نفسه انتهى عام 2016، وإن كان بدأ إعداده وتصويره قبل الثورة بعامين. يرصد الشريط مظاهر سياسية واجتماعية وثقافية لمدينة القاهرة، مع شذرات عن مدن عربية أخرى، خلال عام 2009، مع بدء الحراك السياسي ومظاهرات حركة «كفاية». مع أن الفيلم يتوقف قبل «25 يناير 2011»، في ما يفترض أنه ذروة ما شهدناه من أوضاع سيئة فجّرت الثورة، إلا أن المزاج العام للفيلم يحمل إحباط واكتئاب الزمن الذي انتهى فيه مونتاج الفيلم. كما يعكس تشوشاً فكرياً وعدم قدرة على الحكي الدرامي يتسم بها عدد من مخرجي وكتاب هذا الجيل. يدور الفيلم حول مخرج شاب (يلعب دوره المصري البريطاني خالد عبد الله) لا يستطيع انهاء فيلمه. يتقاطع مصير بطل الفيلم مع مصير تامر السعيد مخرج «آخر أيام المدينة» أثناء تعثر صنعه أيضاً، على طريقة فيلم «ثمانية ونصف» لفلليني، مع الفارق طبعاً في نوع الأزمة التي يعانيها السعيد وفلليني والطريقة التي يتحايل بها كل منهما على الأزمة.

«فرش وغطا» لأحمد عبد الله السيد

«جلد حي» لفوزي صالح هو أقدم فيلم في المجموعة، إذ عرض للمرة الأولى في «مهرجان أبو ظبي 2010» قبل الثورة بحوالى شهرين. هو واحد من الأفلام الوثائقية المميزة التي صنعها هذا الجيل، ولم يكن ممكناً صنعها قبل ذلك. يتوغل «جلد حي» داخل إحدى المناطق المحظورة الخطرة في القاهرة، رغم أنها تقع في قلب القاهرة القديمة، وهي منطقة «المدابغ» التي يتم فيها تحويل جلود الحيوانات إلى جلود صالحة لصناعة الأحذية والأحزمة والملابس وبقية المنتجات الجلدية. وعملية «دبغ» الجلود هذه تتم بطرق ومعدات بدائية خطرة على الصحة، ويستخدم فيها غالباً صبية صغار يفنون أجسادهم داخل هذه المنطقة المميتة.
الفيلم صادم ومؤلم مثل الواقع الذي يصوره، وهو أيضاً مخجل للذين يعتبرون أن الأفلام تصنع لتجميل الواقع والبلاد المنتجة للأفلام. نتذكر هنا ردود فعل بعض المصريين العصبية عندما شاهدوا الفيلم في «مهرجان أبو ظبي» بفخامته و«بهرجته». وبعد مرور سنوات، ها هو «جلد حي» ثابت كوثيقة فنية على واقع لما يزل يحتاج إلى معجزة!
الفيلم الرابع في المجموعة هو «فرش وغطا» للمخرج أحمد عبد الله، أحد ألمع أبناء هذا الجيل وأغزرهم إنتاجاً ونجاحاً جماهيرياً.
«فرش وغطا» (انتاج 2013)، هو أحد الأفلام الروائية القليلة التي تدور حول «ثورة يناير» وما تلاها من أحداث. يحكي الشريط قصة شاب سجين (يؤدي دوره آسر ياسين) يُطرد من السجن بالقوة عشية «25 يناير» عندما أمر بعض المسؤولين بفتح السجون واطلاق المساجين لإشعال الفوضى. يتتبع الفيلم عودة الشاب إلى منزل أسرته والأحداث التي يمر بها خلال تلك الفترة. بعفوية وجرأة عام 2013، يتناول بعض الصفحات المسكوت عنها في الثورة المصرية، من فتح السجون بفعل فاعل، إلى القتل والاعتقال العشوائي للمواطنين خلال الأيام الأولى للثورة، وحتى الفتن الطائفية المدبرة التي راحت تندلع واحدة تلو الأخرى. يحمل «فرش وغطا» على مستوى الشكل بعض التجريب المثير للجدل، مثل اختياره بطلاً لا ينطق بكلمة طوال الفيلم، أو بمعنى أصح يهمس فقط ببعض الكلمات غير المسموعة، وهو أمر قد يثير استغراب وربما ضيق بعض المشاهدين، نظراً إلى الافتعال الظاهر الذي صنعت به بعض المشاهد لعدم إظهار صوت البطل.
أحمد عبد الله أحد ألمع أبناء هذا الجيل وأغزرهم إنتاجاً ونجاحاً


الفيلم الخامس والأخير هو «موج» للمخرج أحمد نور، وهو أحد أهم وأفضل الأعمال الوثائقية التي رصدت مولد الغضب والثورة على حكم مبارك، وبالتحديد في مدينة السويس التي شهدت الشرارة الأولى للأحداث وأول «شهيد» على يد الشرطة، قبل أن تمتد النيران إلى بقية مدن مصر.
المخرج من أبناء المدينة ويعرفها جيداً، وهو يعطي لعمله مذاقاً «ذاتياً» مميزاً، ليس فقط من خلال حديثه «الذاتي» عن المدينة التي ولد وعاش فيها طفولته، لكن من خلال الأسلوب أيضاً، خاصة اعتماده على «الرسوم المتحركة» في بعض المشاهد. قرار صعب بالنسبة إلى فيلم وثائقي، ربما يتسبب في هدم مصداقية وتأثير العمل بكامله. لكن هنا يتحقق الـ«هارموني» بين عنصري «التخييلي» و«التوثيقي» بشكل نادر وناجح للغاية.

■ «ثلثاء الأفلام»:
■ «آخر أيام المدينة» لتامر السعيد: اليوم ـ س:18:00
■ «جلد حي» لفوزي صالح (17/7) ـ «فرش وغطا» (24/7) لأحمد عبد الله السيد ـ «موج» (31/7) لأحمد نور ــ «دار النمر» (كليمنصو ـ بيروت) ـ للاستعلام: 01/367013‎