يُمكن اعتبار الشأن السوري واحداً من أصعب التحديات التي واجهتها وسائل الإعلام. تسهم في ذلك عوامل عدة، بدءاً من التداخل المعقّد لسير الأحداث في هذا البلد، مروراً بارتباط معظم وسائل الإعلام بأجندات سياسية، وليس انتهاءً بالصعوبات الهائلة التي تحول دون ممارسة الإعلاميين عملهم بحرية على الأرض. تأسيساً على ما سبق؛ يمكن تبرير بعض التناقضات التي تعتري الأداء الإعلامي لدى خوضه في المستجدات الميدانيّة المتسارعة.


لكن التبرير سيبدو ضرباً من التساهل حين يتعلق الأمر بالمصطلحات والتسميات. التزمت بعض وسائل الإعلام استخدام توصيفات معينة لم تحِد عنها منذ بدء الحدث السوري، وهي ــ غالباً ــ وسائل تحكمها اصطفافات سياسية واضحة، وإن كانت غير معلنة. في الوقت نفسه، غيّرت مؤسسات إعلامية أخرى اعتماد المصطلحات والتسميات مرات عدّة، أبرزها وكالة «رويترز» للأنباء. تتبدل التسميات لدى «رويترز»، حيناً بصورة توحي بأنّها ممنهجة بالتناسب مع تحوّل الرأي العام العالمي، وأحياناً بطريقة تُخلّف شعوراً بالتخبّط والعشوائية. شعود يتعزز مثلاً حين تتعدد التسميات في سياق خبر واحد. بدا لافتاً في الأيام الأخيرة استخدام الوكالة صياغات عدّة لدى الحديث عن مؤتمر «جنيف 2» المزمع عقده حول سوريا. نقرأ مثلاً في سياق خبرٍ نشر في 10 كانون الثاني (يناير) الحالي: «ما يسمى مؤتمر جنيف 2 بشأن سوريا». ثم في سياق خبر آخر في اليوم نفسه: «في مؤتمر السلام الذي يسمى جنيف2». صياغة تُذكر بصياغات دأب الإعلام الرسمي السوري على استخدامها لدى الحديث عن حالة لا تحظى باعتراف السلطات السورية، بغية التقليل من شأنها، من قبيل «ما يُسمى الجيش الحر». لكنّ دوافع «رويترز» لاستخدام هذه الصياغات تختلف بلا شك عن دوافع الإعلام السوري. ها هي تتبنى في اليوم التالي صياغةً جديدة أكثر وضوحاً: «محادثات السلام المقررة تحت اسم جنيف2»، قبل أن تورد في خبر آخر: «... والمعروفة باسم جنيف 2». فهل يمكن رد السبب إلى أن المؤتمر لن يعقد في جنيف، وأن تسميته مجازية؟ ربّما! لكن بالعودة إلى أرشيف الوكالة أياماً إلى الوراء، سنجدها تقول في سياق خبر بتاريخ السادس من الشهر نفسه: «دعا ذلك الاتفاق الذي يسمى جنيف 1»، رغم أن «جنيف 1» عُقد في جنيف فعلاً لا مجازاً!. تبدو الحالة محفزة لاستعراض تعاطي الوكالة مع الملف السوري منذ آذار (مارس) 2011، ومن بوابة التسميات على وجه التحديد. في بدايات الحدث السوري، سنجد «رويترز» تتبنى تسمية «الثورة» لشهور عدة، فتعنون على سبيل المثال بتاريخ 20 حزيران (يونيو) 2011 بـ«الأسد يلقي خطابه الثالث منذ بدء الثورة وقواته تعوق فرار اللاجئين». أما في 2012، فتكرر استخدام تسمية «انتفاضة». مثلاً في أيار (مايو)، نقع على عبارة: «بينما تُضعف الانتفاضة في سوريا قبضة الرئيس بشار الأسد». وفي آب (أغسطس) وأيلول (سبتمبر) 2013، تكرر استخدام مصطلحي «الأزمة السورية»، و«المسألة السورية». أما تعبير «الحرب الأهلية»، فقد طغى، وما زال، على توصيف الوكالة للحدث خلال عام 2013.
وإذا كان هذا التحوّل مبرّراً تبعاً للمستجدات، فإنّ المستغرب هو إصرار الوكالة التي تتخذ من لندن مقراً لها على منح هذا المصطلح مفعولاً رجعياً، عبر تكرار جملة «في الحرب الأهلية المستمرة منذ أكثر من عامين ونصف العام في سوريا»، في نهاية أخبارها. وفي سياق متصل، سنجد «رويترز» تتنقل بين تسميات عدّة للمجموعات المسلحة المنتشرة على الأراضي السورية. تارة تستخدم تسمية «متمردين»، وأخرى «معارضة مسلحة»، وثالثة «مقاتلو المعارضة» تزامناً مع دخول مصطلحات جديدة على الخط مثل «معارضون إسلاميون يقودهم مقاتلون على صلة بتنظيم القاعدة»، و«متشددون إسلاميون».
قد يجد البعض في اعتماد الوكالة على صياغة أخبارها باللغة الإنكليزية، ثم نقلها إلى العربية مبرراً لتضارب بعض التسميات. قد نجد من يترجم كلمة revolt إلى «ثورة»، وآخرون إلى «تمرد». الأمر الذي يَسري على كلمة rising أيضاً ومفردات عدّة. لكنّ هذا التبرير سيسقط أمام حالات أخرى، فالفرق بين مصطلحي «الأزمة السورية»، و«المسألة السورية» كبير على المستوى الدلالي، وكذلك بالنسبة إلى «الحرب الأهلية». كما أنّ «المعارضة المسلّحة» تعبير يخالف «مسلحي المعارضة»، إذ يُستخدم الأول للدلالة على كيانات مستقلة، أما الثاني فللدلالة على مسلحين مرتبطين بمرجعيات سياسية معارضة. أمام ما تقدّم، تبرز تساؤلات عدّة: فهل يمكن تعليق تلك التناقضات على شمّاعة الترجمة فقط؟ وهل تعجز وكالة كبرى عن اعتماد صيغة واحدة ومنهج تحريري واضح لمترجميها ومحرريها؟ وهل نحن أمام خلط عشوائي أم تحوّلات «رويترزية» بين حين وآخر؟




اعتذار عن الفبركة

في أيار (مايو) 2011، اعتذرت وكالة «رويترز» رسمياً من القناة الفرنسية الثانية لتزويدها بصور لتظاهرات في سوريا هي في الحقيقة من لبنان. وفي آب (أغسطس) 2012، قالت الوكالة إنّ قراصنة معلومات تسلّلوا إلى موقعها الإلكتروني ونشروا معلومات «مفبركة» عن سوريا، من بينها مقابلة مع القائد السابق لـ«الجيش السوري الحر» العقيد رياض الأسعد. وأضافت في بيان لها أنّها لم تُجرِ هذه المقابلة وقد شطبتها من موقعها. جاء ذلك بعد نفي نائب قائد «الجيش الحر» مالك الكردي إجراء المقابلة، وما تضمّنته حول انسحاب الجيش من المدن السورية بسبب «الخسائر الفادحة في جنوده وبسبب الخيانات والاقتتال من أجل المال والمناصب».