معرض توثيقي، أرشيفي، فني، يحيي فيه سعيد بعلبكي إرث الفنان الطليعي المزراحي الراحل يوسف عبّو (1888-1953) في «غاليري أجيال». عشرات الأعمال النادرة تعود إلى عشرينيات القرن الماضي، أنجزها الفنان الفلسطيني الجذور، البرليني الموطن، المسكون الشغوف بجسد المرأة التي رسمها عُمراً. كلها مرفقة بوثائق تعيد رسم خارطة حياة عبّو، اقتناها بعلبكي بعطشٍ لعناق طيف «يوسف الجليلي». كلها تُعرض اليوم ضمن تقديم بصري متحفي، حاكه سعيد بعلبكي بحرفية الصائغ وإبداع النحّات ودقة الكيميائي وحرص المهندس. عمل بحثيٌّ وبصريٌّ رائد يهديه بعلبكي-عن دراية أو غير دراية- لكامل منطقة الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، بل لكل المنطقة العربية. عبره، يكاد يرسم فجراً ننتظر انبلاجه منذ زمن، هو فجر إعادة كتابة تاريخنا، وتاريخنا الفنيّ الأصيل. تاريخ ملؤه الكنوز، يُكتب على أساس الحقائق، وفنٌّ يرفض الخيالية والأوهام، بل يشيّد بنيانه بمداميك الحقيقة التي تنضح بها هذه الكنوز.


من «ولاية بيروت» إلى برلين
«أَدْخَلَنِي إِلَى بَيْتِ الْخَمْرِ، وَعَلَمُهُ فَوْقِي حُب.
أَسْنِدُونِي بِحَلوى العِنَب. أَنْعِشُونِي بِالتُّفَّاحِ، فَإِنِّي مَرِيضَةٌ حُبّاً
شِمَالُهُ تَحْتَ رَأْسِي وَيَمِينُهُ تُعَانِقُنِي»
(من سفر نشيد الإنشاد- الإصحاح الثاني)
«الشغف» أول ما يلفظه سعيد بعلبكي الواقف قرب «الثنائي المتعانق» (منحوتة برونزية ليوسف عبّو)، في وسط الصالة، فيدور المعرض حولها ككعبة تتوق للمس العابدين. تزنِّر القاعة «طَوفاً» أعمال موضوعها المرأة ولا شيء سوى المرأة. هنا يختصر بعلبكي بثلاثة أحرف و«أل» التعريف مسيرة تتبعه لأثر عبّو عبر القرون الماضية، واصفاً رحلة بحثٍ وأرشفةٍ وتدقيقٍ دامت أربع سنوات. شهدت هذه المنحوتة جزءاً كبيراً منها: «أهي الصدفة أم الحظ؟ لا يمكن أن نفسر ذلك، اقتنيتُها (المنحوتة) من جنيف. يمكن أن تجمعي بأقل من أسبوعين 21 عملاً لفنانٍ أعماله بهذه الندرة! ثم تبقين أربع سنوات لجمع الـ21 الباقية» يشرح بعلبكي لـ «الأخبار» قبل أن يضيف:
«هو الشغف. أن تمضي أربع سنوات من حياتك تفتشين عن حياة ضائعة لفنان. كنت في بداية بحثي عنه، أرى المشروع كفيلم سينمائي، أكثر منه معرضاً. لم يكن لدي تصور إلى ما ستؤول إليه الأمور. شغفي بالورق والطباعة هو ما أدخلني في المشروع، بخاصة بعد حرب تموز عام 2006، أي بعدما خسرتُ الكثير من مقتنياتي. قد يكون ذلك رد فعل، أو تعويضاً. رحت أجمع أوراقاً متعلِّقة بالشرق، بفلسطين. وهكذا بدأت الرحلة».
الفنان الراحل مروان قصّاب باشي كان قد ذكر مراراً أمام بعلبكي نحاتاً مشرقياً من الطليعيين في الحركة التعبيرية الألمانية في العشرينيات. دون ذكر اسمه. بيد أن اللقاء بين «البرلينيين الثلاثة» (عبّو، قصاب باشي، بعلبكي) ـــ وإن تأخر كل هذه السنوات ــ كان حتمياً. فما يجمعهم أبعد من إطار قصة، بل آخذٌ أخاذٌ... كحقيقة!
السرد سهل، لكن يبقى العثور على الأدلة والبراهين والوثائق الحقيقية لتلك السردية صعباً، بل عملاً مضنياً قد يوصل إلى طرقات مسدودةٍ، لم تنهك سعيد بعلبكي بل زادته إصراراً.
فما هي الحقيقة التي تجلَّت بعد مسير الشغف المستمر؟ من هو يوسف عبّو فعلاً؟
القصة تبدأ عام 1911، حين هاجر شاب مزراحي من الجليل الأعلى إلى ألمانيا، تاركاً صفد وعائلته في فلسطين الواقعة حينها تحت الحكم العثماني، كجزءٍ من ولاية بيروت. كان ذلك في وقت عصيب من تاريخ المنطقة، قبل الحرب العالمية الأولى. وهو مولود عام 1888 بحسب ما تثبت الأوراق الموثقة التي استحصل عليها سعيد بعلبكي. تمر الأيام وتحمل معها قصصاً كثيرة وثقها بعلبكي أيضاً، إلى أن يدخل يوسف عبّو في إطار الدراسة الأكاديمية للفنون من عام 1913 حتى 1918 في Königliche Akademie Der Künste. وللمصادفة أنّها الجامعة ذاتها التي درس فيها سعيد بعلبكي، وقبله أستاذه المقرّب وصديقه مروان قصاب باشي. صار عبّو عضواً في «جمعية الفنانين الألمان» Deutscher Kuenstlerbund، المؤسسة التي كانت في طليعة التصدي للنازية، والمنادية بحريّة الفنون. وكان عبّو أيضاً من الطليعيين في المشهد الفني التعبيري البرليني، فعرض في أهم وأعرق صالات العرض، واقتنت أعماله أهم المتاحف. وقد وثَّق بعلبكي ذلك بطريقة غير مسبوقة. هنا نرى مجموعة من المجلات من تلك الحقبة بلونها الأصفر بفعل الزمن، ونرى دعوات افتتاح معارض عبّو مشتركةً كانت أم ثنائية أم فردية!
في تتمة قصة عبّو، من ذروة التألق والإبداع والعرض، يصعد الحُكم النازي، فارضاً حتى قولبةً للفن، وأطراً ومعايير تمنع كل ما هو غير كلاسيكي وواقعي. واعتبار كل ما هو غير ذلك Degenerated Art وعبّو في طليعة التعبيريين. أمر أجبره على الهرب من ألمانيا عام 1935 بما تيسر له من أعماله، لتبدأ من جديد رحلة يوسف البوهيمي، لكن مع زوجة حامل وابن. وجد عبّو نفسه لاجئاً في لندن، حيث لم يعد لتاريخه الفني الطليعي أي أثر، ولم يعد محاطاً بالمشهد البرليني الفني، مما كسره من جديد وأجبره على التزام أعمال ليست بالضرورة ما يهوى. والقصة تطول مع تفاصيل أرشفها بعلبكي، حتى الحصول على صور فوتوغرافية عائلية ليوسف الجليلي البوهيمي. لكن ما كان مصيره؟ يجيبنا بعلبكي بروح الباحث المؤصِّل: «حياته البدوية لازمته، فقد بدأ حياته فلاحاً مزارعاً، وختمها كذلك! متعته الوحيدة على ما يقول ابنه جيروم، كانت زرع الحديقة. كان يجبر أولاده على غير رغبتهم، أن يشاركوا ويساعدوه في الزراعة. بدأ حياته في برلين كبدوي، ناصباً خيمة بدوية، وانتهت بصندوق شحن، في جنينة المحترف». وحيداً منسياً كبطل جُرّد من كل أوسمته، لكنه مات حراً. هل قدر الأحرار أن يموتوا وحيدين، منسيين؟! ومن يحيي الذاكرة؟ لا شك في أنّها أعمالهم عند لقائها بشغف مؤرخٍ أو عطش فنانٍ للتأصيل.
فأعمال عبّو التي تراها أعيننا اليوم في «غاليري أجيال»، تعود إلى عشرينيات القرن الماضي بكل ما فيها من هيبة الزمن، لكنها تعود ناصعة، أخَّاذة حتى النشوة، ممتعة حتى الطرب! وصف هذه المنحوتات يهوشوع هشل إييبين في مجلة «العالم» (26-27 حزيران عام 1924) بدقة، قائلاً: «وبدا تدفق خطوطهم كصلاة، كصلاة مستجابة! وكلها، كل نساء عبّو لهُنّ نظرات فريدة! عيونهنَّ مغمَّضة كما في الحلم.. كعالم معظَّمٍ غير منقّى. سابحٍ على الحدود بين الوجود والحلم». لكن يهوشع يتابع بتصنيف آخر: «عبّو متدرِّب/ متعلِّم في أوروبا. لكن جذر روحه مزراحية. ليس يهودياً، ليس يهودياً مثلنا (..) روح الشرق التي لا يمكن الولوج إليها هي التي تتحدث لنا في أعمال هذا الفنان العظيم».
لم يكن سعيد بعلبكي يعلم أن يوسف الذي يشغفه، هو يهودي عربي أصلاً، لكن الاكتشاف زاده إصراراً وحماسة. فهو تارة يُصنَّف مصرياً، وطوراً تركياً، ومرة يهودياً ومرة بوهيمياً ومرة برلينياً، لكن أين انتماؤه؟!
«أرى نقطتين هامتين في هذا الإطار»، يقول صاحب «غاليري أجيال» صالح بركات لـ «الأخبار» قبل أن يضيف: «بدايةً، هناك محاولة دائمة لقولبة الفنان، أو وضعه في خانة معينة. لكن في الحقيقة، هناك بعد آخر، خاص بالفن، حيث ينتمي الفنان لمحترفه، لهذا العالم الحميم الذي يعنيه. وفي حالة يوسف عبّو، هو شخص مهووس بالمرأة. اشتغل كل حياته على موضوع المرأة بغض النظر عن مسألة كيفية تصينف الناس له. في النهاية مكانه الحقيقي هو محترفه. ثانياً، في زمن فيه إشكالية حول الموضوع، يبقى أن الثقافة المشرقية، تكتنف تعددية دينية، اثنية وعقائدية. اليوم عندما نعرف عن فنان أنه فلسطيني يهودي، أو يهودي عربي، مزراحي، انتهى طي النسيان، نقول إنّه كان من المحتمل، لو قرر أن يكون صهيونياً ويعود إلى أرض فلسطين، ألّا تكون هذه نهايته. بالنسبة إليّ، أولئك الناس كانوا جزءاً من هذا المجتمع العربي. بلادنا تحمل إرثاً عريقاً، ونحن متعددو الانتماءات والعقائد والطوائف والاثنيات. وهذا مصدر غنى. أما أن نقول أنّ لدينا مشكلة مع الصهيونية، فطبعاً لدينا مشكلة بنيوية مع الصهيونية، لكن ليس لدينا مشكلة مع هذا الفنان لأنه يهودي. هو فنان كبير جداً، ذو عمل مدهش. أعتقد أن المعرض متحفيٌّ!» ويختم بركات بنقطة لافتة: «من المؤثر جداً أن نرى فناناً في يومنا هذا لا يُقدِّمُ نفسه، بل يُكرِّم فناناً آخر» في إشارة إلى سعيد بعلبكي.

البحاثةُ المُمَتحِف
سعيد بعلبكي الذي درس الفنون التشكيلية وتعمق فيها في برلين، درس أيضاً علم المتاحف. سخَّر مجهوداً هائلاً لهذا الشغف، بأرشفة - تكاد تكون إعجازية- لمادة تاريخية هامة على المستوى العالمي وليس فقط المحلي. خاطر في العمل على فنانٍ مزراحي، فيما الموضوع إشكاليٌّ لكنه زاد إصراراً، والأهم أنه قدم هذه المادة في قالب متحفيٍّ بصري دقيق!

كان يعدّ من الطليعيين في المشهد التعبيري البرليني


يقول بعلبكي في بيانه الفني: «حين وقعتُ على أعمال يوسف عبّو للمرة الأولى في آذار (مارس) 2014، لم أكن لأعلم أن هذا اللقاء سيتحوّل سريعاً إلى شغف، من دون معرفة مسبقة بمدى الشهرة والنجاح الكبيرين اللذين تمتع بهما هذا الفنان منذ ما يناهز القرن. على مدى أربع سنوات، وجدتُ نفسي أجمع أعماله، أرمَّمها وأقوم بأرشفتها. كما جمعتُ كلّ معلومةٍ، ووثيقة وأثر يساعدُ على إعادة صياغة هذا المصير المأساوي. حجر إلى جانب حجر كقطعة فسيفساء عبث فيها الزمن. من النادر أن نجد توصيفاً أكثر بلاغة وأدقّ تعبيراً يلخصُ شغف مؤرخٍ فنيّ وناشرٍ وجامع أعمالٍ فنيةٍ كهذه الشهادة لبول فيستهايم حين كتب: «ما قمت بجمعه لم يكن فعلياً صوراً ومنحوتاتٍ، إنما أناس، أشخاص روحانيون مبدعون، كنت أشد المدافعين عنهم، وقد شكلت إبداعاتهم بالنسبة لي تجربة حياة»، ويضيف: «أطلقتُ هذه المغامرة بحثاً عن حياة حقيقية واقعية، مستذكراً عبارة مارتن بوبر الشهيرة «إن كل حياةٍ حقيقيةٍ لقاء». إن مشروع يوسف عبّو محاولة لإنقاذ ما تبقى من هذه الحياة. كما أنه ردٌّ على كل محاولات تحويل مشهدنا الفني إلى مرويات خيالية. إن مشروع يوسف عبّو هو قراءة في معنى الهوية والانتماء الجغرافي لدى الفنان. «داس هايمت مزيوم» هي مجموعة خاصة تهتم بكل أشكال الإبداع في هذا الشرق وإنتاجاته الثقافية- التاريخية».
ففي زمن نُمطَرُ به بالمعلومات الخاطئة، المغلوطة، المركبة، المصطنعة، المغرضة والعارية عن الصحة، يصرخ شابٌ من عقر دار الخيال ليطالب بالحقائق طريقاً لبناء التاريخ الفني. من صلب عالم الفن التشكيلي، يقدِّم سعيد بعلبكي العرض و«المَتحفةَ» كفعل تأريخي واجب الوجود، معتمداً على الحقيقة ولا شيء سوى الحقيقة!
هكذا عندما يكون الفن التشكيلي فعل تأريخ أصيلاً، فعل حماية للتاريخ من أي تدخل واستغلال وتزوير، فعل حماية للفن من أوهام الفن، يعني أن العرض قد أدى مهمته العُليا والعُظمى فوق إطار المتعة الصرف. هذا تحديداً ما يختبره الرائي في المعرض.

مساحة فنيّة ثقافية ذات موقف
هذا المعرض (الذي كان ضمن منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون «آفاق») يُشكل موقفاً فنياً من قِبَل سعيد بعلبكي، هو أيضاً موقفٌ فني ثقافي، وفكري ومبدئي من قبل صالح بركات. فالمعرض ليس للبيع. علماً أنّ هذا المعرض ليس الأول الذي تستضيفه «غاليري أجيال» ويكون تحت صفة «غير مخصص للبيع». وفي ذا نقطتَين توجبان التوقف عندهما:
الأولى، خطوة صالح بركات في وهب هذه المساحة الفنية لتكون ملتقى ثقافياً حقيقياً وفعلياً بالكامل طيلة نصف شهر. أما النقطة الثانية فهي الموقف الفني والثقافي الذي لطالما تحلت به هذه المساحة تميُّزاً عن غيرها، وها هي تتوَّج من جديد بموقف أصيل اتخذه بركات -إلى جانب سعيد بعلبكي- من اتجاهٍ فنيٍّ سائد يراه كثيرون مخرِّباً لتاريخنا، ومقدّمين البديل الذي يعتمد على الحقيقة نهجاً. يقول بركات: «اليوم، تسيطر على الساحة الفنية مدرسة تمارس فعل السرديات الوهمية (fictionalisation) لتاريخنا. في المقابل يأتي فنان يأخذ قصة فنان آخر، قصة تشبه الخيال. والدليل أن الكثير من الناس الذين أتوا يوم الافتتاح، كانوا يظنون أن المعرض اختراع، ومن صنع الخيال! ولكن ذلك غير صحيح إطلاقاً. لقد عمل سعيد بعلبكي أربع سنوات حتى أثبت وجود يوسف عبّو. فإذا أردتِ، سعيد ذهب عكس السير. أخذ قصة تبدو خيالية، وقال للجميع لا، نحن بلاد عندها ذاكرة وتاريخ. يكفي أن نقوم بالعمل الجدّي لنرى ذلك. نحن بلاد، مهم جداً أن نعيد كتابة تاريخنا! كل هذه الأمور تجعل من هذه التجربة/ المعرض -خاصة أنه غير مخصص للبيع!- موقفاً يقوله الفنان بشكل واضح: إننا بحاجة لإعادة قراءة تاريخنا وذاكرتنا، ولا يجب أن نسيِّس عمل الفنان خارج الإطار الفني. وكل هذه الأمور تجعلنا أيضاً نرى هذا المعرض كموقف ضد مرحلة الـ fictionalisation لتاريخنا. يكفي أن يتم العمل بجديّة ومنهجية دقيقة كي نكتشف الكم الهائل من الحقائق التاريخية العظيمة. وهذا في إطار آخر يبرهن كم أن دقة العمل والتفرغ له، والبحث المخلص يمكن أن توصل إلى مرامٍ هامة جداً. أتقولون ليس لدينا تاريخ؟! هذا تاريخ بقدر ما تشاؤون!»

كتابة وإعادة كتابة تاريخ الفن
لِلْمُعَانَقَة وَقْتٌ وَلِلانْفِصَالِ عَنِ الْمُعَانَقَةِ وَقْتٌ»
(سفر الجامعة 2 – الجزء الثاني من الآية الخامسة).
لقد عرى معرض سعيد بعلبكي جزءاً مهماً من تقصير وضعف التغطية والتأريخ والنقد الفني في بلادنا! فما قام به هو في الحقيقة واجب البحّاثة من مؤرخي الفن. نعم في هذا المعرض يثبت بعلبكي أن هكذا يكون الفن «هادفاً». لكن في المقلب الآخر، هو دعوة وقراءة نراها نقدية، تظهر لا بل تفضح ضعف التأريخ الفني لدينا، علّنا نبدأ اليوم، ومن هنا تدوين تاريخنا الفني الحقيقي.

* سعيد بعلبكي يقدّم يوسف عبو: نحات في خيمة بدوية: حتى اليوم ـ «غاليري أجيال» (الحمرا) ـ للاستعلام: 01/345213



بوهيمية أرجحتها الحروب والتمييز


«تُنسى… كأنك لم تكن!»
(محمود درويش)

عندما تكون بوهيمياً، غير مؤمن، ذا جذور مزراحية (يهودية شرقية)، والأهم لا- صهيوني، سافرتَ من فلسطين إلى ألمانيا عام 1911 كسباً للرزق وطلباً للعلمِ فنّاً، ثم تأتي الحرب العالمية الأولى، فالثانية… ماذا قد يكون مصيرك؟! أحتماً النسيان؟!
أنت لست مؤمناً بـ «أرثوذكسية» عائلتك، يهودياً. فبوهيميتك تُلغي كل تأطير، و«أرض الميعاد» بالنسبة لك خيمة بدوية أعدت نصبها في محترفك البرلينيّ، فالموطن حيث أنت قررت. مسكنك محترفُك. مبدعٌ، تركت بَصمتك في الحقبة الأدق والأكثر تأثيراً في تاريخ الفن الحديث، بل في تاريخ نشأة وصعود المدرسة التعبيرية. عرضت في أهم صالات ألمانيا في العشرينات من P.Cassirer إلى F. Moller و A.Flechtheim و J.B. Neumann وVon Garvens فكيف تُنسى؟! اقتنت أعمالَك أهمُّ المتاحف الأوروبية والعالمية، فكيف تُنسى؟! ألأنه ببساطة مصير كل بوهيمي؟ أم لأنك كعربي؟ أم لأن منطقك الإبداعي، صبغته النازية بصفة «Degenerated Art» ؟! أو ربما لأنك لم تأخذ من طائفتك إلا الأناشيد الجميلة ترتلها بطقس شرقي ساحر للبرلينيين؟! (على ما شهدت أحرف شعر إلسي لسكر شولر)، في حين كان يمكن لطائفتك أن تكون جسر عبورٍ لك إلى ضفاف الشهرة والمجد!


«لو أنَّه (يوسف عبّو) عاد من ألمانيا في العشرينيات، لكان اليوم من أهم وأعظم الفنانين الحداثيين في «أرض إسرائيل». يكتب جدعون عوفرات (الباحث والمؤرخ الفني الصهيوني) في بحث مطوّل بالعبرية من جزءَين، مُعنوَن: «القصة الغامضة لحياة يوسف عبّو الجليلي».
كان يمكنك ليوسف الجليلي أن يستثمر جذوره اليهودية العربية. أن يعود شرقاً، ليس كعربي، بل كمتصهين، فيُحتفى به ويصبح صانع المشهد الفني التشكيليّ في فلسطين المحتلة كما شهد أبرز مؤرخي الفن في الكيان الصهيوني جدعون عوفرات. لكنه لم يفعل!
هل لأنه ببساطة لم يفكر يوماً أن يكتب التالي: «في هذا اليوم التاريخي للشعب اليهودي - كابنٍ وفنانٍ من الغيتو- أُرسل احترامي/ تحياتي الحارة لك، وللمقاتلين والمؤسسين للجمهورية اليهودية الجديدة» (إلى دايفيد بن غوريون، من رسالة بخط يد مارك شاغال (1887- 1985)، باللغة العبرية اليديشيّة، يوم 14 أيّار (مايو) 1948. كشف عنها الكيان الصهيوني منذ ثلاثة أشهر فقط!).
لا يغفل أحدٌ من عالم الفن التشكيليّ، العلاقة النوعية التي تربط العديد من الأشكناز بالساحة الفنية العالمية. والمثل الأبسط هنا علاقة مارك شاغال بالقادة المؤسسين للكيان الصهيوني والأماكن التي ارتقاها الأخير على كافة الصعد، كما المصير النجومي الذي وصل إليه بشكل خاص داخل الكيان الصهيوني، والحظوة التي لاقاها خاصة عند زيارته لشهرين في شباط (فبراير) 1931 لأرض فلسطين. وقد ذهب يرسم في القدس ثم - وللمفارقة- في صفد (منشأ يوسف عبّو)! عاد بعدها إلى باريس، ليرجع إلى الأرض المحتلة عام 1951، ثم 1957 وتتكرر الزيارات الاحتفالية بشاغال وبفنه «الهادف»! ما ورد أعلاه ليس اختلاقاً ولا افتراء، فقد أرشف المصوِّر الصهيوني دايفيد روبينغر غالبية رحلات مارك شاغال هذه خاصة في الستينيات والسبعينيات، مؤرخاً الرابط القوي له مع غولدا مائير، ثم موثقاً وقت شاغال داخل قاعته الخاصة في الكنيست حيث افتتح الـ Marc Chagall Hall. لو قبل يوسف عبو الصهيونية، لكان ربما في ذلك المكان، لكن تمسك ببوهيميته وعانقها حتى الممات.
هذه المقدمة تتيح لنا بشكل مقتضب وبسيط المقارنة بين حال فنانَين من جذور يهودية ومن الجيل نفسه، لكن على ضفتَين متناقضتين: أشكنازي، قولب نفسه ضمن طائفته كي يملك ما قد لا يستحق، وثانٍ مزراحي لم يغره التصهيُن، عُيِّر بشرقيته في الغرب، وعانى من فوقية مارسوها تجاهه. شرقيةٌ لم يحجبها أو يخفيها خجلاً، بل ترك لها العنان لتملأ المشهد البرليني الفنيّ. فإذا كتب عنه النقاد، ظهرت سماتُها للعلن. سافر، درس، أعطى فذاب، تهجر ورسم، حفر ونحت وعرض، ثم هجرته الحرب العالمية من جديد، بوهيمياً بدأ، وبوهيمياً شرقياً بقي، حتى ذوى منسياً، لكن حراً في محترفه.
وفي ذا كتب سعيد بعلبكي قبل ساعاتٍ من افتتاح المعرض المتحفي خلاصةً من الأعماق:
«قد تكون حياة يوسف عبو بكل تجلياتها، المثال الأوضح لفهم قضية الانتماء لدى الفنان. علَّه أيضاً، وجد في صورة المرأة، موطناً!
... ويبقى وطن الفنان،
جدرانٌ أربعةٌ لا يسكنها،
وكرسيٌّ هزاز،
ونافذة جهة القلبِ مُشرَّعة».
نيكول ...