بعد فيلمه القصير The Leaves Will Bury الذي عرض في مهرجانات عدة، يقدم طوني جعيتاني فيلمه الجديد La Disparition de Goya (اختفاء غويا) الذي اختير ضمن المسابقة الرسمية لـ«مهرجان مرسيليا للفيلم الوثائقي» الأخير. الشريط (أنجز بدعم من «أشكال ألوان») يطرح ـــ بطريقة جديدة ــــ أسئلة متعددة عن الحرب الأهلية اللبنانية.

يصوّر فيلم جعيتاني العلاقة الشاعريّة بين العنف والموت. يطرح قضية جيل كامل، وهو الجيل الذي ولد بعد نهاية الحرب الأهلية اللبنانية التي مزّقت لبنان لغاية اتفاق الطائف عام 1990. بعد غسان سلهب الذي يبدي جعيتاني إعجابه به، يطرح المخرج مسألة شبح الحرب الذي يطارد حياة أولئك الذين لم يعيشوها أبداً. يقدّم طوني جعيتاني صورةً عن حربٍ ليس من شأنها إلا خلق الأوهام. تتجذّر هذه الأوهام بعمق في الواقع الذي نما فيه شباب جيله وتطوروا. من خلال فيلمه، يطرح جعيتاني سؤال شرعية الحفاظ على هذا الوهم، كما يسعى من خلال التعبير بالصورة والصوت للهروب من القدرية التي ترافق هذا البناء المجتمعي. على مستوى الصورة، الوهم في كل مكان، سواء كان ملموساً أو لا، بدءاً من هذه الشخصية الغريبة التي ترتدي قناع سيليكون ثقيلاً طوال الفيلم، وصولاً إلى عدم تحييد عملية صنع الفيلم عن إطار الصورة الظاهرة: الماكيير، والمصورون، يظهرون جميعهم في الإطار كأنهم شخصيات من الفيلم. كما يتمثّل هذا الوهم في الوشاح الذي يتنازعه شخصان، حيث يقوم الضوء الملقى على جانب واحد من الوشاح بإبراز ظل أحدهما على قطعة القماش، بينما لا نستطيع رؤية الشخص الآخر. الحركة التي تدبّ الحياةَ في صور الحرب المأخوذة من أرشيف الصور الفوتوغرافية، تذكرنا بكواليس التصوير المصطنعة. ألعاب الظلال والانعكاسات هذه، هي تسلسل إيقاعي لمراحل إنجاز هذا الفيلم الذي يثير الأسئلة حول الحرب من دون أن يستحضرها فعليّاً.
نجح الفيلم في تجنّب الوقوع في أخطاء عدة. والأهم أنه نجح في تجنب اتخاذ موقع الضحية، على الرغم من هيمنة شبح الحرب الذي لا يزال يخيّم على الشعب اللبناني، من جيل إلى جيل. ولكن، ومرةً أخرى، ما ليس وهماً البتّة، هو مسبّبات هذا التمركز حول دور الضحيّة الذي يسعى الفيلم إلى مواجهته، من خلال اقتراح آليّة تقوم على مبدأ أخذ المسافة الكافية. يشرح طوني جعيتاني كيف تتمّ إدامة الشعور بالمظلومية بهدف استخدامه في أغراض تجارية أو في الدعاية السياسية. عندما يرى أن السياسيين الذين يحكمون البلاد الآن هم أنفسهم أمراء الحرب في زمن أبويه، فإنّ هذا يدفعه إلى التساؤل في آخر الفيلم إن كانت الحرب قد انتهت بالفعل. وبهذا يكون جعيتاني قد تمكن أيضاً من الإفلات من مغبّة المجازفة في الحديث عن الحرب، بخاصّة أنه سيكون من طرف شبابٍ لا يعرف من الحرب إلا قصص ومرويات آبائه وأجداده. ما يهمّ هؤلاء الشباب، هو ما بعد الصدمة التي يعايشونها بعد انتهاء الصراع. صدمةٌ يشعرون بها في أعماق أجسادهم، على الرغم من عدم معايشتهم لأسبابها. متأثراً بديفيد لينش ــ وهو أمر يقرّه جعيتاني ـــ نلحظ دقّة الجهد المبذول على صعيد الصوت، و بجودوروفسكي من خلال ميله إلى الصور السريالية. كما نشعر بتأثير غودار، خاصّة أنّ الفيلم يستعرض مشهداً من فيلم Passion. يولي طوني جعيتاني اهتماماً خاصاً بالصور، وقد ضمّن هذا العمل الفنيّ البصريّ داخل عمل الفيلم الأساسيّ: إضفاء الحركة على لوحة غويا التي تؤدي إلى استكشاف هؤلاء الشباب لأماكن الحرب في جبل لبنان... يسترشدون إليها من خلال الشخصيّة المقنّعة التي بدورها تقدم نفسها كمصور وقصّاص.