أربعة شبّان يديرون ظهرهم للحياة ويقفزون في البحر. ممارسة شبه يومية في حياة تتشابه رزنامتها، إلى أن يأتي يوم يقفز فيه أحدهم ويقضي غرقاً. موته سيخلق مساراً مختلفاً لإيقاع حياة رفاقه وحياة عائلته ومن حوله. لكن قبل سلوك المسار الجديد، سيحضر الجميع واقعة الموت، بتفاصيلها ومعانيها.

يطرح «شهيد» العمل الجديد للمخرج اللبناني مازن خالد (من تأليفه وإخراجه ــــــ 84 د ـــ 2017) أكثر من موضوع انطلاقاً من واقعة الموت أو الاستشهاد. فالغريق يعتبر شهيداً في الإسلام وفق الكلام الذي يدور في أحداث الفيلم، إذ يُقال الشهادة غرقاً أو الشهادة جهاداً. نقاش يخوض فيه الشريط، حيث يركّز المخرج على العلاقة البطيئة مع حدث الموت، ومع جسد الميْت. مشهد هذه العلاقة يبدأ قبل الوفاة. الموضوع الآخر المطروح في الفيلم، هو الصداقة بين أربعة شبّان من الأحياء المهمّشة. سيحمل ثلاثة منهم جسد صديقهم إلى أهله، ويبقون إلى جانبه.
يقول مازن خالد إنّ فكرة الفيلم انطلقت بداية مع علاقته بالكورنيش البحري. «الحاجز الحديدي يمثّل آخر حدود المدينة، حين تتخطاه كأنك تخطيت المدينة والمجتمع، وأدرت لها ظهرك». بهذه المقاربة يبدأ روايته، وأبطالها أربعة شبّان، من طوائف مختلفة، يقطنون حيّ الخندق الغميق البيروتي. لديهم مشاكلهم، وهمومهم، وصداقتهم، يضعون المدينة والمجتمع خلفهم ويقفزون في البحر.


يذكّر مازن برمزية البحر الأبيض المتوسط اليوم... البحر الذي يسبح فيه أبطال شريطه، المليء بجثث المهاجرين الفقراء.
في الحيّ الذي يقطنونه، فقر وبطالة، شبّان يجلسون في الأزقة، وشبّان شهداء علقت صورهم على الجدران. في منزل حسان (حمزة المقداد)، الذي سيصبح شهيداً، والده (ربيع الزهر) ووالدته (كارول عبّود) يقولان ما يقوله عادة الأهل لولد لا يعمل، وقد أصبح في سنّ المسؤولية، لكنهما يكتمان في تعابير وجهيهما الكثير من الكلام.
في عزّ فاجعة الأهل بموت ابنهم، تظهر الفتاوى والتقاليد التي تتعلق بهذا الحدث: ما الذي يجوز وما الذي لا يجوز؟ وما هي الحال بالنسبة إلى الشهيد؟ هل يجب على الوالدة أن تتلقى خبر شهادته بفرح؟
الأمر الآخر الذي أراده المخرج الشاب ـــــــ الذي يملك في رصيد أفلاماً عدة من بينها «حلم برجوازي صغير» و«رجل خطير جداً» ـــــــــ من خلال «شهيد» هو بسط تجربة الموت، ثيمة العمل الأساسية، أمام المشاهد بكل تفاصيلها وبحضورها المهيب. يقول عن الموت إنه عالم مرادف للحياة، موجود كما هي الحياة، «يجب أن نقترب منه كي نفهمه».


هناك أسئلة يتركها مازن خالد، مفتوحة خلال الفيلم، لكنه لا يخفي وجهة نظره هو ولا أفكاره حول ما يطرح في «شهيد».
العمل من بطولة حمزة المقداد، مصطفى فحص، هادي بوعياش، رشاد نصر الدين، ربيع الزهر وكارول عبود، بمشاركة محمد عقيل، يارا بو حيدر، فادي نصر الدين. ومن إنتاج ديالا قشمر (Artrip production)، المخرجة التي سبق لها أن تعاطت مع قصص شباب الأحياء الفقيرة في فيلمها الوثائقي «أرق». أما فيلم «شهيد»، فقد تحقق بعدما نال جائزة منحة متواضعة من «مهرجان البندقية الدولي». نُفذ الشريط في فترة قياسية (ثمانية أشهر) مع فريق لبناني من تقنيين وممثلين، وعرض ضمن مهرجان البندقية، قبل أن يجول على مهرجانات سينمائية عدة، ويحط أخيراً في «متروبوليس أمبير صوفيل» لتتاح للجمهور اللبناني مشاهدته.

* «شهيد»: بدءاً من اليوم في «متروبوليس أمبير صوفيل» (الأشرفية ـ بيروت 01/204080)، و«سينما سيتي» (01/995195)، و«فوكس» (01/285582) ـ


الحقيقة المرّة


بسبب كثرة الكلام عن الشهادة في الآونة الأخيرة، وفي جميع المناسبات، اختارها مازن خالد (الصورة) كثيمة أساسية في الفيلم. هناك تلميح في الفيلم إلى أن هناك العديد من الشبان الذين ينتظرون الحرب، أو الشهادة. لكن هناك اختلاف في وجهات النظر، بل منافسة على نيل لقب «الشهيد». كل جهة تعتبر قتلاها شهداء، كما تعتبر أن حربها أو قضيتها هي الأحق. المذاهب الإسلامية تعتبر الغريق شهيداً والمتوفى بسبب الحروق، شهيداً أيضاً. هذا الجدل يدور في المجتمع أحياناً غير آبه بشعور أهل الفقيد، وغير آبه بالحقيقة المرة التي يبقى أثرها. الموت هو حقيقة لا تتغيّر من واقع احتسابه شهادة أم لا وفق طرح الشريط.