القاهرة | عام واحد يفصل بين نفي مركز معلومات مجلس الوزراء، في تموز (يوليو) 2017، نية الحكومة المصرية فرض ضرائب على مواقع التواصل الاجتماعي، ومطالبات بعض أعضاء مجلس النواب والخبراء في تموز 2018، بفرض الضريبة سعياً لدعم خزينة الدولة بملايين الدولارات.

البداية كانت مع النائب مصطفى بكري الذي أكّد أن مواقع التواصل الاجتماعي تحصل على ملايين الدولارات. ولذلك فإنه يدعم، مع مجموعة من النواب، إعداد قانون لفرض ضريبة على هذه المواقع.
مصطفى بكري أكد في تصريحات صحافية أن الشركات الأجنبية هي المستهدفة في فرض هذه الضرائب، معللاً ذلك بأن الإعلانات التي تنشرها هذه المواقع تكون على حساب الإعلام المصري. وبالتالي، فإن المواقع المحلية يفترض أن تكون أولى بعوائد الإعلانات، بخاصة أنه يتم فرض ضريبة عليها.

(بوليغان ـ المكسيك)

من جهته، قال النائب أشرف العربي، عضو اللجنة الاقتصادية في مجلس النواب، في حديث إلى «الأخبار» إن مشروع القانون انطلقت جلسات مناقشته بالفعل منذ منتصف حزيران (يونيو) الماضي، وهو يركز على فرض ضرائب على إعلانات مواقع التواصل ومحركات البحث، من دون المساس بالمستخدمين العاديين.
وأضاف العربي أنّ هذه الخطوة جاءت ضمن إطار خطة البرلمان لمحاربة الاقتصاد غير الرسمي، الذي تنامى خلال السنوات الماضية، وخصوصاً عقب «ثورة 25 يناير»، مشدداً على أن الهدف من فرض الضرائب هو المساواة بين شركات الدعاية عبر الإنترنت وشركات الدعاية المطبوعة وخصوصاً مع إقبال العديد من الشركات والتجار نحو الإعلان على مواقع التواصل الاجتماعي ومحركات البحث، بسبب انخفاض الكلفة والتواصل بطريقة أكثر سهولة مقارنة بشركات الإعلان.
وشدّد العربي على أن الهدف الحقيقي يكمن في تحقيق تكافؤ الفرص والعدالة بين الشركات، خصوصاً بعد شكاوى عديدة تقدمت بها الصحف الورقية، التي تسبب بعزوف عدد كبير من الشركات في الإعلان من خلالها، لمصلحة الإعلان الإلكتروني، في تكبدها خسائر كبيرة.
مجلس النواب المصري أعرب عن نيته إعداد قانون لتقنين الاقتصاد غير الرسمي، سعياً لسد العجز المالي التي تعانيه الموازنة المصرية، خصوصاً مع إعلان وزارة التخطيط أن حجم هذا النوع من الاقتصاد يشكل تهديداً للناتج المحلي في مصر.
وفي هذا الإطار، حذرت النائبة ثريا الشيخ، عضو اللجنة الاقتصادية في البرلمان المصري، من خطورة وجود مثل هذا النوع من الاقتصاد في ظل عجز مالي في الموازنة العامة المصرية، مشيرة إلى أن الشركات الراعية لإعلانات مواقع التواصل الاجتماعي ومحركات البحث تدخل ضمن إطار الاقتصاد غير الرسمي.
وأوضحت ثريا، في حديث إلى «الأخبار» أن دمج مثل هذه الشركات في الاقتصاد الرسمي من خلال القانون الذي يُعد، سيوفّر مليارات للدولة بدلاً من تحميل تبعات العجز للمواطن، مشددة على أن من مصلحة الجميع فرض هذه الضريبة.

الحكومة غائبة
خلال إحدى الندوات التي نظمت في أواخر عام 2017، قال مستشار وزير التخطيط المصري خالد زكريا إن حجم الاقتصاد غير الرسمي في مصر يمثل 40 في المئة من الناتج المحلي.
وكشف تقرير صدر عن وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، أن حجم التجارة الإلكترونية، التي تمثل جانباً من الاقتصاد غير الرسمي في مصر، بلغ بين عامي 2015 و2016 ما بين 1.5 و25.5 مليار جنيه.
الإنفاق على الشبكة العنكبوتية سيصل إلى 227 مليار دولار مقابل 197 ملياراً للإعلان التلفزيوني


بدوره، نفى حسام لطفي، المستشار القانوني لوزارة الاتصالات، في تصريحات صحافية، علمه بمناقشة البرلمان لقانون فرض ضرائب على مواقع إعلانات مواقع التواصل الاجتماعي، قائلاً: «لم يعرض أحد علينا شيئاً، وليست هناك أفكار رسمية لندرسها ونتحدّث عنها».
وبحسب رئيس مصلحة الضرائب في مصر عماد سامي، فإنّ التقديرات الأولية لحصيلة فرض ضرائب على إعلانات غوغل وفايسبوك والمنصات الإلكترونية الأخرى، لن تقل عن مليار جنيه سنوياً، مشيراً إلى أن الإعلانات الإلكترونية تخضع بالفعل لقانون ضريبة القيمة المضافة ونسبتها 14 في المئة، وأن مصلحة الضرائب تبحث تطبيقها بأثر رجعي منذ أيلول (سبتمبر) 2016.

العالم يستهدف كعكة «التواصل الاجتماعي»
على ما يبدو، فإن هناك حمى جديدة تجتاح العالم تسمى «الضرائب على مواقع التواصل». ففي أيار (مايو) الماضي، وافق البرلمان الأوغندي على فرض ضريبة على مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي في محاولة لزيادة العائدات. وتشير التوقعات إلى أن الإنفاق على الشبكة العنكبوتية سيصل إلى نحو 227 مليار دولار في مقابل 197 ملياراً للإعلان التلفزيوني.
وبحسب توقعات شركة «زينيت» العالمية، وهي إحدى أذرع مجموعة «بابليسيس ميديا العالمية»، فإنّ الإنفاق الإعلاني سيرتفع بنسبة 4.6 في المئة بحلول نهاية 2018.
وتقدر «زينيت» الزيادة في الإعلانات الرقمية بنحو 77 مليار دولار بين أعوام 2017 و2020. أما المساهم الأول في هذه الزيادة، فهو الهاتف الخلوي الذي بات استخدامه يستحوذ على حامليه على مدار الساعة تقريباً، ويجد المعلنون في ذلك ضالتهم.
دول الخليج دخلت بدورها على الخط. إذ أصدر المجلس الوطني للإعلام الإماراتي، في آذار (مارس) الماضي، قراراً بضرورة حصول «المؤثرين المشاهير» على مواقع التواصل على ترخيصٍ يسمح لهم بالعمل في البلاد، في حال أرادوا الترويج لعلامات أو أعمال تجارية.
وبحسب المجلس الوطني للإعلام، فإن الإمارات كانت أول بلد عربي يفرض الحصول على ترخيص، يصل ثمنه إلى 4 آلاف دولار أميركي في السنة، وسيدفع المخالفون غرامة قدرها 1300 دولار.
وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2017، اعتمد مجلس الوزراء الإماراتي، مشروع قرار بشأن الغرامات الإدارية التي تُفرض على مخالفة القوانين الضريبية، وينص على «ألا تقل الغرامة الإدارية عن 500 درهم لأية مخالفة واردة، ولا تتجاوز ثلاثة أضعاف مقدار الضريبة التي جرى إصدار تقييم الغرامات الإدارية بشأنها».
وفي الشهر ذاته، أعلنت السعودية، عن فرض ضريبة القيمة المضافة على إعلانات مواقع التواصل الاجتماعي والمشاهير، لمواجهة الأزمة المالية السعودية. وكانت الهيئة العامة للزكاة والدخل في السعودية قد أعلنت أنّ عمليات البيع والشراء في المتاجر الإلكترونية، ستخضع لضريبة القيمة المضافة بنسبة 5 في المئة على السلع التي يتم شراؤها إلكترونياً من خارج المملكة، وتُشحن إلى داخلها.
على مستوى العالم العربي عموماً، ارتفع حجم المبيعات في صناعة التجارة الإلكترونية من تسعة مليارات دولار في عام 2012 إلى 15 مليار دولار في عام 2015، بحسب تقرير لشركة «بيفورت» للمدفوعات الإلكترونية. وحققت غوغل إيرادات بلغت 74.5 مليار دولار عام 2015، وكانت 69 في المئة من إيراداتها عبر إعلانات غوغل ويوتيوب.
وفي نيسان (أبريل 9 الماضي، أعلنت شركة فايسبوك عن قفزة هائلة في أرباحها لتسجل 195 في المئة في الربع الأول من العام الحالي. ووفقاً لتقرير الشركة المالي، فقد بلغت الأرباح 1.5 مليار دولار خلال الفترة الممتدة بين كانون الثاني (يناير) وآذار (مارس) 2018، في حين أنها لم تزد عن 512 مليون دولار خلال الفترة ذاتها من العام الماضي.

خبراء يشككون في إمكانية التطبيق
يرى الخبير الاقتصادي رشاد عبده أن البرلمان المصري يرغب في مجاملة الحكومة من خلال إبداع طرق قانونية لجمع المزيد من الأموال وفرض الضرائب على المواطنين، حتى أصبحت مصر من أكثر الدول التي تفرض الضرائب على مستوى العالم، إذ بلغت حصيلة الضرائب المحصلة في مصر بين عامين 2016 و2017، ما يعادل 433 مليار جنيه، بزيادة 30 في المئة.
ويقول عبده لـ «الأخبار» إن هناك الكثير من السلبيات التي سيجنيها المجتمع في حال إقرار هذا القانون، لأن معدل البطالة في مصر بلغ 7.8 في المئة بين الذكور 23.3 في المئة بين الإناث، وفقاً لآخر تقارير الجهاز المركزي للإحصاء. ولذلك فقد توجه الكثير من الشباب للعمل مجال التسويق الإلكتروني، كوسيلة من وسائل التربح وخلق فرصه عمل له.
ويشير عبده في هذه الحالة إلى أنّه يجب على الدولة المصرية تشجيع هؤلاء في تقديم المزيد من الأفكار لمحاربة البطالة، كما يحدث في العديد من الدول التي تريد التقدم والنهوض باقتصادها. لكن في حالة إقرار القانون ستكون عواقبه العودة إلى المربع الصفر بسبب فرض هذه الضرائب، معتبراً أنه إذا كانت الدولة تريد تحصيل تلك الضرائب، فعليها التوجه إلى الشركات الأم، وليس الشركات المحلية، كما يحدث في كثير من الدول ومنها الولايات المتحدة، وبعض دول أوروبا مثل روسيا وفرنسا.
أما المهندس حسام صالح، خبير تكنولوجيا المعلومات والرئيس السابق لجمعية «انترنت مصر»، فيؤكد أنه من غير الممكن فرض أي ضرائب على الإعلانات الإلكترونية، لعدم وجود مقرات لهذه الشركات على الأراضي المصرية، فهذه الشركات لا تعمل في مصر، ولا يوجد في قانون الضرائب المصري ما يسمح بفرض ضرائب على شركة غير قائمة على الأراضي المصرية.
لكنّ المحامي شادي طلعت، عضو «اتحاد المحاميين العرب»، يؤكد أنه لا عائق قانونياً لأي بلد في فرض ضرائب على الإعلانات التي تتم عبر مواقع الإنترنت.
ويوضح طلعت لـ«الأخبار» أن البرلمان المصري يستهدف الشركات الصغيرة التي تعمل في مصر، ولكن الدول غالباً ما تستهدف الشركات الأم التي تحصد المليارات من هذه الإعلانات، مشدداً على ضرورة التوجه إلى الشركات الأم مثل غوغل وفايسبوك وتويتر لإبرام بروتوكولات خاصة بقيمة الضرائب التي تريد الحكومة المصرية تحصيلها سنوياً.
ويظل فرض الضرائب على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، محل شك، في ظل القوانين التي تحتاج إلى تغيير، والآليات التنفيذية التي تحتاج إلى أساليب واضحة لاحتساب هذه الضريبة وتحصيلها، في حين يستمر العجز في وضع آليات لتحصيل الضرائب العادية بكفاءة من الأساس.