بغداد | لم تمنع بشاعة الحرب التي خاضها العراق، منذ حزيران (يونيو) 2015، من مواصلة النشاط الثقافي وإطلاق مؤسّسات جديدة ذات طابع يرتبط فعليّاً بالتنمية الثقافيّة، منها «نادي بغداد للقراءة» الذي تأسّس في أيلول (سبتمبر) 2016 واحتضن عشرات الجلسات التي راجعت وناقشت كتباً وإصدارات عالميّة وعربيّة وعراقيّة، توفّرها مكتبة النادي المتاحة للاستعارة. عصر كلّ يوم سبت من الأسبوع، يتجمّع روّاد النادي، وأمامهم سبورة عليها الكتب التي سيُبحث فيها لثلاث ساعات تقريباً (من 3:30 إلى 6 مساء). إذ تقود هذا الحوار وتقدم الكتب للجمهور رغد قاسم مؤسّسة النادي ومديرته للخروج بخلاصات وإدارة مداخلات القرّاء الذين اختاروا كتباً ليبدوا ملاحظاتهم وانطباعتهم عنها في جلسة مفتوحة. «الأخبار» كانت حاضرة في إحدى جلسات النادي، وكان لها هذا الحوار مع مديرته رغد قاسم.


أي علاقة يريد «نادي بغداد للقراءة» صياغتها مع الجمهور؟
يسعى نادي بغداد من خلال القرّاء الشباب أنفسهم، إلى جذب فئة الشباب للقراءة وتعلّم أسلوب النقد للكتاب المقروء، ضمن إطار بعيد عن التكلّف، وإنّما في إطار حلقة من الأصدقاء. تبدأ الجلسات بالتعارف وإفساح المجال لكلّ شاب للحديث عن نفسه، عوضاً عن أسلوب المحاضرات الممل والجاف. حتّى ضمن نظام استعارة المكتبة، يقوم الشباب بالنقاش وتقديم اقتراحات بعد الجلسات أو قبلها. وبعد أن يقرأ القارئ الكتاب الذي استعاره، نقترح عليه تقديمه لنا من أجل مناقشته ضمن جو وديّ يخدم فيه الشخص نفسه بنفسه. إذ تكون الجلسة مفتوحة وتقدم ضيافة بسيطة مجانية كأنّما تتم الاستضافة والقراءة في بيت صديق، وليس في جو مؤسّساتي بارد.

من أحد معارض النادي

هل هناك سقف للطموحات مثل إنشاء مكتبات عامّة في بغداد وخارجها؟
لا سقف للطموحات، والمشروع في تطوّر والشباب من مختلف المحافظات يتواصلون معنا دائماً لتكرار نسخة مماثلة في مناطقهم. نسعى لإنشاء شبكة قرّاء في عموم العراق تكون لها مقراتها الثابتة وجلساتها، ولكلّ مقر مكتبته العامة الخاصّة به. لكنّ مشروعاً ضخماً مثل هذا لا يمكن أن يُطبق على أرض الواقع من دون دعم مادي لا يتوافر لدينا حالياً. فالشباب ممن يتواصلون معنا من بقية المحافظات، يشتكون دائماً من عدم وجود مكان للقائهم مثلاً. أمر نقف أمامه بلا حيلة، إذ كان هذا نفس ما واجهناه على مدى سنة ونصف السنة كنا خلالها نعاني من عدم وجود مكان ثابت للنادي قبل أن تفتح لنا منظمة «تواصل» أبوابها لتحتضن تواجدنا. أما بخصوص المكتبة، فمكتبتنا بذرة أوليّة لمكتبة أكبر، سنسعى جاهدين لإنشائها.

هل هناك قصدية في الابتعاد عن الجو النخبوي في النادي؟
نعم، بالتأكيد، مسألة الجوّ النخبوي تبعث على الرعب والتردّد أولاً في نفس القارئ المستجد، ونحن نعمل جاهدين لكسر الحاجز الجليدي بيننا وبينه. ثانياً جوّ النخبة هو جو للكتّاب، قبل أن يكون للقرّاء، يتمّ فيه تبادل المديح أو النقد وتقديم الدراسات الأدبيّة والأكاديميّة، في حين أنّ جوّ «نادي بغداد للقراءة» هو للقرّاء. صحيح أنّنا استضفنا بعض الكتّاب، لكن حتّى هؤلاء قُدّموا كقرّاء. مثلاً الكاتب ثامر الهيمص لم يقدم أيّاً من كتبه، بل قدّم قراءة في كتاب ثانٍ، أو يمكن أن تتمّ دعوة الكاتب للإصغاء إليه وحثّه على الاستماع لآراء القرّاء في كتاباته. مثلاً المجتبى الوائلي مترجم كتاب «الكون في داخلك»، جاء ليتحدّث عن تجربته في الترجمة لكتاب علمي هو الأوّل له. وجّهت إليه العديد من الأسئلة بشأن محتويات الكتاب، والكاتب الذي ترجم له وأعماله السابقة، فقرّر أن يقدّم نسخة من كتابه ليتسنى لروّاد النادي استعارته والإفادة منه، وضمّت الجلسة يومها كتباً أخرى إلى جانب كتابه. كما قلت، فإنّ الجوّ ودّي يشبه حلقة أصدقاء يحدثهم صديق يماثلهم في السن عن إعجابه بهذا الكتاب، وغالباً ما يتمّ تبادل الكتب في نهاية الجلسة لقراءتها بعدما أعجبوا بموضوعها.
حملة لإعادة تنشيط المكتبات العامّة


من هم المؤسّسون؟
بدأت بمفردي، وبالتدريج انضمّت إلى المشروع مجموعة من الأصدقاء القرّاء ممن يمتلكون خلفية قراءة ثريّة ومن أجواء مختلفة. مثلاً، يهتم القارئ أثيل فوزي بالمواضيع العلميّة وتبسيط العلوم، ويهتمّ علي كريم السيد بعلم الاجتماع، بينما يهتمّ أحمد سامي عزيز وسارة بالأدب والفلسفة، ويهتم أسعد الهاشمي الحائز الدكتوراه في الفنون الجميلة، بالطفل وتربية الذوق الفنيّ والمعرفيّ لدى الأطفال، وتهتمّ أنوار قاسم بالمواضيع الاقتصاديّة، ويهتم ذكاء طالب بالأمور السياسيّة، بينما تُفضل تقى محمد المواضيع القانونيّة. وبالتدريج بدأت الحلقة تتّسع وتضمّ شباباً من توجّهات مختلفة صاروا يواظبون على الحضور، فتُطرح كلّ يوم عناوين مختلفة من الكون إلى الهندسة المعماريّة، ومن الأدب والشعر إلى السياسة، وتطرح تفسيرات للوحات عالميّة حتّى، من دون حاجز إلا رصانة الموضوع والابتعاد عن الترويج أو التسقيط لكاتب ما.

هل من منهاج محدّد هذه السنة؟
هذا العام يسعى النادي بالتعاون مع منظّمة «تواصل»، إلى إطلاق حملة لإعادة تنشيط المكتبات العامّة، وهي حملة يتبنّاها «نادي بغداد للقراءة» منذ بداية تأسيسه. واليوم، قرّرت منظمة «تواصل»، إيماناً منها بفكرتنا، أن توفّر لنا كلّ ما نحتاجه من خبرات قانونيّة ودعم لوجيستي لحل هذه المسألة، والإفادة من المكتبات العامّة. فبرغم كثرتها، لكنّها شبه مُعطلة بفعل الإهمال ومجموعة من العوامل الأخرى التي تُعيق العمل، وقد وضعنا خطة كاملة لتجاوزها، نأمل أن تسير كما هو مخطّط لها.
أيضاً ستستمرّ جلسات القراءة، وسيتم خلالها الاحتفاء بالقرّاء المميزين في العام الماضي. هناك خطة أيضاً للتوسّع في الجلسات لتكون هناك جلسة شهريّة في أحد الأماكن العامة يتمّ خلالها تقديم أفضل الكتب المقروءة لجمهور من العامّة، لجذب أعداد أكبر لحلقات القراءة.
وهناك خطط أخرى سيتمّ اعتمادها قبل بدء الموسم الدراسي المقبل لجذب جمهور القرّاء الأصغر سناً من طلاب المدارس لتحفيزهم على القراءة.