قراء قليلون كان يستوقفهم اسم الروائي السوداني أمير تاج السر (1960) قبل وصول «صائد اليرقات» (2010) إلى القائمة القصيرة لجائزة «البوكر» العربية عام 2011. كانت السودان (ولا تزال إلى حد بعيد) مرتبطة باسم روائي أوحد هو الطيب صالح (1929 ــ 2009)، وبذلك كانت مهمة تاج السر شديدة الصعوبة، إذ كان عليه التخلص من «ورطة» الخال، عائلياً وروائياً، لكي يستطيع تقديم اسمه من دون أي مقدمات، رغم عالميهما الروائيين المختلفين.


كانت ثمة ورطة أخرى ستلاحق صاحب «توتّرات القبطي» (2008)، هي ارتباط اسمه بروايته البوكريّة، رغم أنّها ليست أفضل أعماله، إذا ما قورنت بروايته القصيرة «العطر الفرنسي» (2009)، أو روايته الجديدة «اشتهاء» التي صدرت أخيراً عن «دار الساقي». وربما كانت محاولة الانعتاق من قيد «بوكر» هي السبب الضمني للتنويه الذي أورده في الصفحة الأولى من «اشتهاء» إلى أنّها عملية إعادة كتابة لروايته «صيد الحضرميّة» (2001)، بعد صدورها بطبعتين محدودتي عدد النسخ، بينما كان السبب المعلن أنه بعدما أعاد قراءتها، وجد فيها «خامة جيدة لعمل كبير استهوتني فكرة إعادة كتابته من جديد». وبسبب «اختفاء» الأصل، سيكون علينا التعامل مع هذه الرواية على أنها رواية جديدة.
ابتداء من الجملة الأولى «كان صيداً وعراً لحورية مصلح في ذلك الصباح» (بعد ربطها بالعنوان)، يشرّع الكاتب الباب أمام القراء على عالم مجهول نسبياً، هو الريف السوداني، وحياة «حورية الحضرميّة» المذهلة التي تضجّ بالمتعددات، أزواجاً وأمزجة وأسماء. حياة تذكّرنا بأجواء «ألف ليلة وليلة» من دون الوقوع في فخ الصور النمطية. كل الأشياء، شخوصاً وحيوانات ونباتات ورموزاً وتقاليد، تبدو قريبة وبعيدة في آن، كأنها في مرحلة انتقالية إلى عالم جديد، عالم مغامرة روائية سحرية يعيد فيها تاج السر اكتشاف بيئته السودانية، ويغيّر تركيبة كل العناصر بهدف إعادة خلق للمكان الذي بقي مجهول الجغرافيا.
هذه الرواية متعددة الطبقات كدمى «ماتروشكا»، حيث يبدو كل مستوى مغامرة مستقلة بحد ذاتها. هي مغامرة شخصية للكاتب أولاً، إذ أفرد فيها البطولة شبه المطلقة لشخصية امرأة، وهي نقطة تُحسب له في ظل ركام الروايات الذكورية العربية. وهي مغامرة توثيقية يعرّفنا من خلالها تاج السر إلى تجربة غير مسبوقة عربياً ـــ أي إعادة كتابة عمل سابق ـــ من دون أن ننسى حضور «المكان الروائي البِكر»، أي الريف السوداني شبه المجهول. وهي، كذلك، مغامرة إبداعية يعيد فيها الكاتب رسم الليالي الألف، بنكهة سودانية صرفة لا نجد فيها حضوراً للسلاطين أو الجواري، عدا عن غياب «الرجل الأبيض»، إلا في الفصل الذي نتعرف فيه إلى تاريخ الحضرميين «الغرباء» الذين كانوا هم «الآخر» الروائي الذي يظهر بين الحين والآخر ليكمل تلك اللوحة الأفريقية الساحرة.
ليس ثمة «حدوتة» كبيرة في الرواية، إذا عمدنا إلى مقارنتها بروايات «القضايا الكبرى». حورية الحضرميّة هي كل الحدوتة، فيما شخوص الرواية ظلال أمام شمسها الحارقة. الرجال هم الكومبارس. حورية هي ثمرة تلاقي الأصول الحضرمية والغجرية، وابنة التمرد الذي ابتدأ قبل ولادتها (في تمرد الوالد على عائلته الحضرمية)، وتكثّف في مراهقتها الأولى عند أخوالها الغجر. وبينما كانت جرثومة المرض الغامض تبدأ بنهش البلدة، محيلة إياها إلى جحيم من الاستياء الذي سيطر على الجميع، شبّت حورية عن الطوق، وبدأت مسيرة الاشتهاء. ثلاثة أزواج وطوفان من الشبان الملتاعين، كانوا يهيئون المسرح للبطل الأخير، عبد النبي سمارة، مدرّس الابتدائية القادم من الشمال، الذي لم يكن يعلم بأنه الضحية القادمة لشبق حورية وسحرها الفعلي والمجازي.
تكاد شخصية عبد النبي سمارة (سيصبح «عبده كورة») تختصر شخصيات الرجال في الرواية، بطيبتهم وسطوتهم، خبثهم وسذاجتهم، والأهم بحزنهم ولوعتهم الدائمين. واللوعة هي مفتاح رواية «اشتهاء». هناك دائماً لوعة تتفجر في العيون والهمس، وفي النفسيات المتناقضة عند الجميع. ثمة سطوة عند الجميع، رجالاً ونساء. وفي الوقت ذاته، الجميع ضحايا. الجميع غرباء. ويمكن اعتبار تلك البلدة منفى للغرباء؛ الأزواج الثلاثة، الحضرميون، الغجر، التاجر «شاطر»، الساحرة «بديعة حساب» ورحلتها الغرائبية إلى عالم الجن، عبده كورة ... وحورية الحضرمية.
لا استثناء من هذا المنفى الروائي سوى في شخصية «غشيم كرو»، الخادم المجنون. الجنون في «اشتهاء» هو وسيلة الهروب الوحيدة من جحيم تلك البلدة. وهنا تكمن المفارقة. لعل هذا سبب طرده من خدمة حورية في بيتها. هي كانت تتوق للانعتاق من قيود التناقضات التي طبعت شخصيتها منذ ما قبل ولادتها، لذا أبعدت الشخص الوحيد الذي كان منسجماً مع ذاته، واستبدلته بشخص تائه هو عبده كورة. ومع اختفاء الغشيم، بدأت صحوة الجميع، وبدأ الإحساس بالمنفى لديهم. لذلك اندفعوا لإيقاظ عبده من سحره. وهنا، أعادت حورية تسليط السحر على الزوج/ الضحية بجرعات مضاعفة، ليبقيا معاً وحيدين، شبه مجنونين، أسيرين لزمنين متناقضين بين الذكرى والحلم، وصولاً إلى النهاية الروائية المفتوحة على فضاءات تلك البلدة وسكانها الذين لم يتبقّ لهم سوى الذهول والمنفى وترقّب طويل لغريب آخر قادم.




«سيرة الجُرح»

مع استعداده لإصدار رواية جديدة بعنوان «سيرة الجُرح» (دار النسيم للنشر والتوزيع)، أعرب أمير تاج السر عن سعادته بوصول روايته «366» (الدار العربية للعلوم) إلى القائمة الطويلة لـ«البوكر» العربية هذا العام. وقال لـ«اليوم السابع»: «أنا تعوّدت على الكتابة فقط ولا أنتظر جوائز، وآليات ترشيحي لـ«بوكر» تتم تلقائياً كل عام لأنّني كنت يوماً في القائمة القصيرة، لكن إن دخلت القوائم، فهذا يسعدني بكل تأكيد».