تدور في الأوساط السعودية والعربية أسئلة من نوع: متى يعلن وريث عرش مملكة آل سعود، صراحةً إقامة علاقات رسمية مع دولة العدو الصهيوني؟ علاقات قد تصل ــ بحسب مراقبين ــ إلى توقّع رفع العلم الإسرائيلي في الرياض قريباً، على الرغم من رفض حكومة المملكة الشكلي لما بات يعرف بـ «صفقة القرن». في سبيل ذلك، أوكل محمد بن سلمان مهمة كيّ الوعي الشعبي الرافض للتطبيع مع تل أبيب إلى مجموعة من رموز الإعلام والثقافة والفن في المملكة، بعد حملة اعتقالات وضعت غالبية المعارضين للخط السياسي للنسخة الوهابية الجديدة خلف القضبان.


في الوقت الذي نفت فيه السعودية أي اتصالات بينها وبين إسرائيل، بالرغم من اللقاءات العلنية لقادة التطبيع السياسي أنور عشقي وتركي الفيصل مع العدو، انتقلت مهمة الترويج للتطبيع إلى قنوات التلفزة وصفحات الجرائد والمواقع الإلكترونية السعودية التي جندت أهم الكتاب والأسماء في المجالات الأدبية والفنية كافة. علماً أنه قبل سنوات سبق الإعلامي السعودي تركي الدخيل خطوات التطبيع الحالية، بالقول للمعترضين على ترجمة «دار مدارك» كتاب «السعودية والمشهد الاستراتيجي الجديد» (صدر عام 2010 عن معهد «هوفر» التابع لجامعة «ستانفورد» الأميركية) للصهيوني جوشوا تيتلبوم، بالقول: «لم نستضف إسرائيليين في مدينة سعودية كالرياض أو جدة. وبالتالي فإنّنا لا نرى أنّ اختيار كتاب لمؤلف إسرائيلي هو تطبيع».
تبني سياسة «صداقة إسرائيل» تلقفها الكثير من المحسوبين على خط محمد بن سلمان، بخاصة بعد تصريحاته لمجلة «ذا اتلانتيك» الأميركية (نيسان/ أبريل الماضي)، بأن لـ «إسرائيل حقّاً في الأرض المحتلة ويمكن التعايش معها مستقبلاً». كرّت حفلة التطبيل، معلنة بدء حملات أغرقت الفضاء العام ودعت إلى تقبل دولة الاحتلال كواقع جديد، كرهاً بإيران وحركات المقاومة كافة في المنطقة.
«متلازمة إيران» دعت الكاتب محمد آل الشيخ في صحيفة «الجزيرة» إلى طرح سؤال: «لو دارت حرب بين إسرائيل وإيران، فمن ستقف معه؟»، ليجيب عليه في مقالته المنشورة في صحيفة سعودية رسمية بوقاحة قائلاً: «بلا تردد: طبعاً سأقف بكل قوة مع إسرائيل، وسوف أساندها قدر ما أستطيع؛ فإيران عدو وجودي»... أو كما صرح الكاتب علي الموسى في «الوطن»، بالقول إنّه سيكون «مضطراً للخيار ما بين عمامة الخامنئي وقبعة الحاخام»، بحجة أنّ بعض الفلسطينيين تم دفعهم إلى شتم وحرق صور حكام المملكة بسبب مواقف الأخيرة من القضية الفلسطينية... ليكون شعار كتبة النظام في صحيفة «الحياة» التابعة للأمير خالد بن سلطان، هو: «مالنا ولفلسطين».
جمل كثيرة تطالعنا في هذه المقالات من نوع «مطية تحرير فلسطين» التي ركبها الكثير من «عرب الشمال، متأسلموهم وقوميوهم»، أو الذين «باعوا القضية وتفرغوا للمزايدة على السعودية»، بحسب التعريف السعودي الجديد لكل من يقف مع نصرة الشعب الفلسطيني، كونها «أكثر قضية تم التكاذب حولها بالعالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط» بحسب مشاري الذايدي الكاتب في «الشرق الأوسط». وأضاف أنّ «جلّ الانقلابات والفتن السياسية والجماعات المسلحة، في القرن الماضي، تعمّدت ولادتها بمغطس القضية الفلسطينية». ولتبرير ذلك، تم رفع شعار «السعودية أولاً» بالقول وبصريح العبارة على لسانه ولسان أمثاله: «إننا لن نضحي بأمننا القومي، بل بوجودنا، مقابل أن تنصر قضيتكم»، كون السلام هو قضية محمد بن سلمان لا الحرب، «بعيداً عن جرعات الإنشاء من أفكار العداوة والصراع غير المجدي» بحسب صحيفة «اليوم». أمر وصل إلى درجة تباكي الكاتبة فوزية البكر في «الجزيرة»، كونها تبرعت بريال واحد لفلسطين مقابل التضحية بشراء ساندويش فلافل في المدرسة!
تلفزيونياً، وبعد حرق صورة الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، في مسلسل «العاصوف» (بطولة ناصر القصبي) الذي عرض على قناة mbc خلال رمضان الفائت، عرضت قناة SBC السعودية، مسلسل «شير شات» الكوميدي (بطولة فايز المالكي، وحسن عسيري). إحدى حلقاته التي حملت عنوان «اللعبة الكبيرة»، صوّرت مواطناً فلسطينياً يعمل على دفع مبالغ مالية ضخمة للمعارضة ضد النظام السعودي في لندن.
تباكت فوزية البكر في «الجزيرة» لأنها تبرعت بريال لفلسطين!


وكانت قناة «العربية» بثت أخيراً فيلماً وثائقياً بعنوان «النكبة» (الأخبار 11/7/2018) تناول نشأة دولة الكيان الإسرائيلي واحتلال فلسطين من زاوية تتبنى الرواية الصهيونية، وسردية بأن اليهود الصهاينة كانوا ضحية العرب لا العكس. أمر سخر منه أحد النشطاء السعوديين عبر موقع تويتر، بالقول إنه «لا يستبعد خلال ثلاث سنوات أن يُدرس هذا الكذب في المناهج الدراسية في المملكة».
صحيفة «إيلاف» الإلكترونية السعودية غرّدت مع سرب المطبعين، حين نشرت مقالاً للناطق باسم «الجيش الإسرائيلي» للإعلام العربي أفيخاي أدرعي، يهاجم فيه حركة «حماس» الفلسطينية ومقاومتها، ويصفها بالخطر على الفلسطينيين ودولة إسرائيل. الصحيفة التي يديرها الصحافي السعودي عثمان العمير، سبقت مقال أدرعي، بمقابلات وتصريحات لسياسيين في كيان العدو، أبرزها مقابلة مع رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، الجنرال غادي إيزنكوت، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، تباهت بكونها «الأولى من نوعها لصحيفة عربية» على حد توصيف «إيلاف».
ركوب قطار السلام الإسرائيلي السعودي بمباركة أميركية، وإظهار التودد لكيان العدو على يد محمد بن سلمان «رجل المرحلة»، لحقه وترجمه لسان حال الكتاب السعوديين أمثال تركي الحمد، وعبدالرحمن الراشد، وأحمد العرفج، وسعود الفوزان، وأحمد الفراج صاحب مقولة «لك العتبى يا نتنياهو حتى ترضى»، والناشطة سعاد الشمري والكاتبة سكينة المشيخص، وليس آخرهم السينمائية هيفاء المنصور التي قالت في مقابلة مع صحيفة «يديعوت» الصهيونية بأنها «لا تستبعد إمكانية إنتاج أفلام مع منتجين إسرائيليين في المستقبل»، قبل أن تنشر نفياً على حسابها على تويتر بعد الضجة الكبيرة التي أثارها التصريح (الأخبار 29/7/2018). ابنة اليساري القومي الراحل عبد الرحمن المنصور، الذي قال في نكبة الفلسطينيين وتهجيرهم من أرضهم يوماً: «هم سرقوا حقكم/ ألا ليتني لَمْ ألِد مثلَكُم/ فأنتم عبيد/ إلى الهاوية/ وأمي تكاد من الحقد أظفارها/ تمزق أوجهنا الخاوية».



أبطال سعوديون ضد التطبيع!
في ظل تزايد دعوات التطبيع مع دولة الاحتلال إسرائيلي، في السعودية ومنطقة الخليج، وتعرض النشطاء الرافضين للتطبيع لخطر الاعتقال، يتم تداول هاشتاغات رافضة للتطبيع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، منها وسم #سعوديون_ضد_التطبيع ووسم #التطبيع_خيانة. تعبر هذه الهاشتاغات عن المواقف الشعبية الرافضة لأشكال التطبيع كافةمع دولة الفصل العنصري. آخر ما تم تداوله مقطع فيديو للمواطن السعودي بدر الملحم، الذي بادر لإبعاد العلم السعودي عن العلم الإسرائيلي، أثناء تكريمه بالميدالية الفضية في الأولمبياد الدولي للكيمياء المقام في سلوفاكيا والتشيك.