المشهد الأول

عمان | خلال محاضرة في أحد أهم المنتديات الثقافية في عمّان، تجلس وزيرة السياحة والآثار لينا عنّاب أمام الحضور، مستعرضةً وجهة نظر الوزارة بخصوص «صناعة السياحة في إقليم عاصف». الوزيرة التي حافظت على موقعها في الحكومة الجديدة بعدما استقالت سابقتها أو أقيلت (لا فرق)، تصف الإسرائيليين أكثر من مرة بـ «أولاد العم»، ما أدى إلى هجوم على تصريحاتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبعض المنصات الإعلامية، وحتى في كلمات عدد من النواب في معرض نقاشهم بيان الحكومة الوزاري قبل نيلها الثقة.
أمّا بخصوص مصطلح «أولاد العم»، وإن كان يستخدم بمعناه المجازي والاستنكاري في الشارع الأردني كمزحة متعارف عليها، وهذا هو التفسير الذي أورده كثيرون في معمعان الواقعة، إلا أن قبول هذه الحجة يفقد معناه الدارج؛ كون الوزيرة تحمل صفة اعتبارية، وكلامها يُحسب على الحكومة لا على شخصها ووزارتها فقط. بل هو يأتي في مرحلة حساسة تتمادى فيها سلطات الاحتلال في تشريع قوانين متعلقة بيهودية الدولة الإسرائيلية وقوميتها. حتى لو استخدمت عنّاب هذا الوصف لدى مقارنتها ما يقدّمه الأردن من خدمات سياحية مع تلك الموجودة في دولة الاحتلال، كتعبير عن حنق مبطن، لا سيما أنها كررته عند ذكرها أنّ الإسرائيليين يدرجون بعض مواقع الأردن في خططهم السياحية، فذلك لا يعني شيئاً ولا يقودنا إلى التسليم بحسن نواياها، والجزم بأن ما حدث مجرد زلة لسان لم تتراجع «معاليها» عنها.


بل إنّ هذا التعبير هو تكريس للعلاقات العلنية مع إسرائيل منذ 24 عاماً. علاقات يجني ثمارها الاحتلال الذي انتقل ـــ مع توقيع «معاهدة السلام» ــــ من خانة العدو إلى خانة الصديق، وما رافق ذلك من نمط علاقة ثنائية احتاجت للكثير من القوانين والتعليمات في التشريعات الأردنية، لم تكن آخرها ما أُعلن عنه في منتصف تموز (يوليو)، حول إلغاء رسوم تأشيرة الدخول للسياح الإسرائيليين إلى المملكة عبر معبر وادي عربة الجنوبي (المخصص فقط لعبور الإسرائيليين والأجانب). هؤلاء يقصدون الأردن في رحلات قصيرة، وملزمون بدفع رسوم للتأشيرة بحدود 85 دولاراً للإقامة لمدة يوم واحد. وسائل الإعلام الأردنية تناقلت الأمر مع معلومات أكثر أوردها الإعلام العبري، الذي أشار أيضاً إلى خفض رسوم الدخول للبتراء لغير الأردنيين من 127 دولاراً إلى 70 دولاراً. محلياً، يتوه المرء لمعرفة صحة هذه الأخبار، والجهة المخوّلة بإعطاء معلومات دقيقة، خصوصاً في ظل غياب تعليق الوزيرة عنّاب التي تقع تحت مسؤوليتها المباشرة كل من وزارة السياحة والآثار، وهيئة تنشيط السياحة، ودائرة الآثار العامة. لكن الغريب في الأمر أنّ من أكد خبر إلغاء رسوم التأشيرة، هي سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة (المرتبطة مباشرة برئيس الوزراء). حتى إن استمارة الحصول على التأشيرة من معبر وادي عربة يقع ضمن اختصاص هذه السلطة، وبالذات مديرية خدمات المستثمرين ـــ قسم التأشيرات والإقامة.
إذاً، باتت ثقافة الاستثمار تعلو على الثقافة السياحية بمعناها الكلاسيكي كما عرفها الأردن عبر سنوات، ولم تعد المنطقة الجنوبية التي يهتم بها الإسرائيليون، خاصة في البتراء، خاضعة لمنطق السياحة، بل لمنطق الاستثمار، وشتّان بينهما من الجانب الوطني. فتقديم الاستثمار بروحيته المالية البرغماتية على السياحة بروحيتها التوثيقية، هو أشبه ما يكون بتحويل البلاد إلى سوق مفتوحة لمن هبّ ودبّ. تأتي هذه الإجراءات على الرغم من القصص التي لا يتم الإعلان عنها بشكل رسمي من السلطات الأردنية والمتعلقة بعدم انضباط السياح الإسرائيليين وبعض الصهاينة القادمين من دول أخرى، ومحاولة خروجهم عن خط سير الرحلة أو إقامة صلوات خاصة، مع أنهم يخضعون لرقابة أمنية تتولاها الشرطة السياحية «حرصاً على سلامتهم».

المشهد الثاني
بالقرب من كوخ «كلاودز هيل» في مقاطعة دورسيت البريطانية، وهو المكان الذي أمضى فيه «لورنس العرب» أيامه الأخيرة قبل أن يتعرض لحادث أودى بحياته بينما يقود دراجته النارية في أيار (مايو) 1935، أسهمت إحدى قريبات الضابط البريطاني وإحدى أهم الشخصيات الإنكليزية التي ارتبط اسمها بالثورة العربية الكبرى، في نصب خيمة بدوية قبل أيام، شُحنت للمملكة المتحدة بواسطة السفارة البريطانية في الأردن.
البريطانيون، يعرفون تماماً أهمية أفراد مثل غيرترود بيل، وتوماس إدوراد لورانس، في تاريخ هذه المنطقة، خصوصاً أنّهما قُدما كعالمي آثار، عاشا في الصحراء مع البدو وتعلّما منهم. لذلك، كانا من مصادر المعلومات، ومن الشخصيات التي اعتمد عليها تشرشل لفهم المشرق العربي ورسم خرائط النفوذ الإنكليزي سياسياً وجغرافياً وديموغرافياً بعد الإطاحة بالحكم العثماني للمنطقة.
يُحتفل في الأردن بعيد الاستقلال في 25 أيار (مايو)، وتقام مراسم رسمية وفعاليات متنوعة بالمناسبة المرتبطة بانفصال القرار والمصير الوطني عن بريطانيا العظمى. وإن كان هناك تراجع في الاحتفاء بتعريب الجيش الذي يصادف في الأول من آذار (مارس)، إلا أنه ما زال يوماً وطنياً على رزنامة الدولة، أي إنه لا يمكن قراءة الوجود البريطاني بمعزل عن العداوة والتحكم بأهل المنطقة الذين وجدوا أنفسهم رهائن للسياسة البريطانية بعدما كانوا طلّاب ثورة ونهضة عربية. منذ رحلات لورنس غير البريئة وصولاً إلى طرد غلوب باشا في مرحلة التراجع الإنكليزي، هناك آلاف القصص والروايات والأحداث التي لم يتم توثيقها، عدا عن الدور البريطاني منذ وعد بلفور واعتباره حجر الزاوية في ما تلا ذلك من أحداث. ويثير الريبة ذلك الخبر الصغير الذي ورد قبل أيام من وكالة الأنباء الأردنية «بترا»، ويفيد بإطلاق مشروع إعادة كتابة «السردية التاريخية للأردن» بالتعاون مع دائرة الآثار العامة والسفارة البريطانية بدعم من «صندوق نيوتن» (يسمى فرعه في عمّان «نيوتن- خالدي»). علماً أنّ الأخير يدار مباشرة من وزارة الأعمال والطاقة والاستراتيجية الصناعية في المملكة المتحدة. مدير عام دائرة الآثار منذر الجمحاوي، يرى في هذا المشروع إعادة تدوين بعض الفصول التاريخية للمنطقة «على أسس الاكتشافات العلمية والأثرية والنقوش التي تعد دليلاً دامغاً لا تحتمل التأويل».
مع أهمية هذا النوع من التوثيق، لا يمكن عدم التشكيك في نوايا مشروع مرتبط بأحد الأعداء التقليديين السابقين للمملكة، وأحد الحلفاء لإسرائيل، إلى جانب أنّ فكرة عزل العلم عن السياسة هي فكرة طوباوية. في الماضي، كنا نقول التاريخ يكتبه الأقوى، لكن اليوم، بات يمكن القول إنّه يكتب بواسطة صاحب التمويل بحسب نواياه وشروطه!