باريس | غيّب الموت في باريس، المفكر وعالم الاقتصاد المصري سمير أمين (1931 ـــ 2018)، أحد أكثر الباحثين العرب تأثيراً في الفكر الاقتصادي العالمي منذ منتصف القرن الماضي. من رحم الحراك العالمثالثي، الذي انخرط فيه باكراً، وشكّل لازمة في مساره الفكري والنضالي (ظل حتى وفاته يرأس «منتدى العالم الثالث»)، نحت سمير أمين ثلاثيته الأشهر «التراكم على الصعيد العالمي» (منشورات ابن خلدون - بيروت – 1973)، «التبادل غير المتكافئ وقانون القيمة» (دار الحقيقة – بيروت – 1974) و«التطور اللامتكافئ» (دار الطليعة – بيروت – 1974). ثلاثة كتب مرجعية طوّر فيها سمير أمين نظرية اقتصادية اشتهرت باسم «نظرية المركز والأطراف» ثوّر من خلالها الفكر الاقتصادي الحديث، منطلقاً من حقيقة تاريخية تتمثل في كون المركز الرأسمالي الغربي حقق هيمنته الاقتصادية على مرحلتين: الأولى استندت إلى أنماط تراكم عنفية، كالنهب والعبودية والاستعمار، بينما ارتكزت الثانية إلى التفوق التكنولوجي ومردودية رأس المال.

من هذا المنطلق، خلص صاحب «الإمبريالية والتطور اللامتكافئ» (منشورات منتصف الليل - باريس - 1976) إلى أن لحاق الأطراف غير الغربية بالمركز المهيمن، لا يمكن أن يتحقق إلا عبر خلق مراكز أخرى، لأن «تطور الأطراف تصده أنظمة التبادل غير المتكافئ. وبالتالي لا يمكن لاقتصادات الأطراف أن تخرج من الحلقة المفرغة للتبعية إلا عبر إطلاق أنماط تطور لها مركزيتها الخاصة».
هذه النظرة الطليعية خوّلت سمير أمين الإسهام في نقد التجارب الشيوعية السوفايتية والماوية، اللتين تحمس لهما في شبابه. لكن تلك الرؤى النقدية لم تنطلق من ردة فكرية، بل استندت إلى مرجعيات أصولية ماركسية. بالتالي انصبت في إطلاق تيار «اليسار البديل»، ذي المنحى العالمثالثي، الذي كان سمير أمين أحد أقطابه، إلى جانب مفكرين طليعيين كبار، أمثال فرانز فانون، وعلي شريعتي، وأندريه غودار فرانك وسيمون ماليه، وغيرهم.
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، انبرى صاحب «قطع الصلة، من أجل الخروج من النظام العالمي» (منشورات لاديكوفيرت – باريس – 1986) لمقارعة الهيمنة الأحادية الأميركية، من خلال سلسلة من المؤلفات التي أصدرها تباعاً عن منشورات «لارماتان» في باريس، ومن أهمها: «إمبراطورية الخراب، العولمة الرأسمالية الجديدة» (1991)، و«الإدارة الرأسمالية للأزمة» (1995)، و«تحديات العولمة» (1996)، و«نقد روح العصر» (1997).
هذه الإسهامات البحثية جعلت من سمير أمين أحد المرجعيات الفكرية الأبرز للتيارات المناهضة للعولمة التي برزت مع مطلع الألفية الجديدة. تيارات لم يكتف صاحب «الفيروس الليبيرالي» (منشورات «لو تون دي سوريز» – باريس – 2003) بالانخراط فيها كناشط من خلال «منتدى العالم الثالث» الذي كان يرأسه إلى غاية وفاته، بل واكبها أيضاً بالفكر والتنظير، من خلال أعمال عدة، منها «الهيمنة الأميركية وإنمحاء المشروع الأوروبي» (منشورات «لارماتان» ــ باريس ــ 2000)، و«ما بعد الرأسمالية الخرفة، من أجل قرن 21 غير أميركي» (منشورات برس أونيفرسيتير دو فرانس – باريس – 2002)، و«من أجل عالم متعدد الأقطاب» (منشورات سيليبس – باريس – 2005).

اعتبر أنّ «الثورات» الحالية معرّضة للاختراق من التيارات الإسلاموية والقوى الغربية الكبرى


المنحى الأممي لأبحاث وكتابات سمير أمين لم تمنعه من الاهتمام بالهم القومي العربي، فأول كتاب أصدره في باريس كان مخصصاً لـ «مصر الناصرية» (منشورات منتصف الليل – 1964). وفي مجال اختصاصه كعالم اقتصاد، أصدر «الأمة العربية، القومية وصراع الطبقات» (دار ابن رشد – بيروت – 1978)، و«المغرب العربي المعاصر» (دار الحداثة - بيروت – 1981)، و«الاقتصاد العربي المعاصر» (دار الرواد – بيروت – 1982). أبحاث دحض فيها الأطروحات التوفيقية التي كانت تروّج، آنذاك، لازدواجية اقتصادية يتعايش فيها الاقتصاد الحديث مع البنى التقليدية.
إلى جانب ذلك، كانت لسمير أمين إسهامات فكرية أخرى انصبت في الهم السياسي والاجتماعي العربي، ومن أبرزها «أزمة المجتمع العربي» (دار المستقبل العربي ـ القاهرة – 1985)، و«بعض قضايا للمستقبل» (دار الفارابي – بيروت – 1990)، و«حوار الدين والدولة» (بالاشتراك مع برهان غليون – المركز الثقافي العربي – بيروت – 1996)، و«في نقد الخطاب العربي الراهن» (دار العين – القاهرة – 2009).
وقد كان آخر تلك المؤلفات كتابه «العالم العربي: ربيع الشعوب؟» (منشورات تون دي سوريز – باريس – 2011)، الذي كان أول عمل بحثي سلّط على ثورات «الربيع العربي» نظرة نقدية، منذ الأشهر الأولى لانفجارها. بالرغم من التفاعل العالمي مع ثورات «الربيع العربي»، التي اعتُبرت في بداياتها إيذاناً بحراك عالمي من شأنه أن يؤسس لأنماط جديدة من الثورات الشعبية، إلا أنّ سمير أمين لم يتردد في التغريد خارج السرب، محذراً بعد أقل من ستة أشهر على هروب بن علي وسقوط مبارك، من المنزلقات والمخاطر التي تتهدد الثورات التي أطاحت بهما، متنبئاً بأن طابعها العفوي سيجعلها عرضة للاختراق والتلاعب من قبل التيارات الإسلاموية والقوى الغربية الكبرى.