أندريه فيلتشيك Andre Vltchek مفكّر وأديب وصانع أفلام وثائقيّة وصحافي استقصائيّ غطى الحروب والصراعات في عشرات البلدان وله مؤلفات عدة منها ما كان مشتركاً مع نعوم تشومسكي. آخر كتبه «التفاؤل الثوري، والعدمية الغربية»، ورواية ثورية (اورورا)، لكن عمله الأكثر مبيعاً يبقى «فضح أكاذيب الامبراطورية». أنتج وثائقيّات رائدة عن رواندا والكونغو وأفلاماً حواريّة مع نعوم تشومسكي «حول الإرهاب الغربي» وقد زار طهران أخيراً ونشر عن زيارته تحقيقاً يخالف صورة إيران كما تقدّم في الإعلام الغربي.


شكراً لقبولك إجراء هذه المقابلة. اجتمعت بسمير أمين في مناسبات مختلفة، وألقيتما محاضرات في المناسبات ذاتها. هل يمكنك أن تقول لنا شيئاً عن الشخص وراء الأفكار، وكيف تتذكره الآن؟
- من دواعي سروري أن أتمكن من مخاطبة قراء العربيّة. التقيت سمير أمين في بكين خلال المنتدى الثقافي الأول في 2015 حيث ألقى كلانا محاضرات. المنتدى كان بالفعل حدثاً ضخماً ضد الامبريالية مثيراً للغاية ومنعشاً فكريّاً. لاحظت بالطبع أن المضيفين الصينيين يكنّون لأمين احتراماً شديداً، وكان بصوته الهادئ يطلق صواريخ فكريّة ضد الرأسمالية والامبريالية. عندما يتحدث، كان هنالك صمت تام يسود في القاعات. أمين كشخص؟ كان رائعاً، هادئاً، ولكنه عاقد العزم، ووفيّ دائماً لقناعاته، شجاعٌ فكرياً، شديد الدفء مع رفاقه، قاسياً لا يرحم مع أعدائه.

تحليل أمين للرأسمالية العالمية كشمال غني يحافظ على هيمنته على العالم من خلال احتكار التكنولوجيا، والموارد الطبيعية، والتمويل، ووسائط الإعلام العالمية، وأسلحة الدّمار الشّامل. ألا يعني ذلك تحدياً للناشطين المناهضين للإمبريالية في الشمال الذين قد يفقدون بعضاً من امتيازات مجتمعاتهم إذا كان لتلك الهيمنة أن تكسر؟
- أنت مصيب تماماً. وربما هذا هو السبب في أننا كلانا - أمين وأنا – نفتقد للشعبيّة في أوساط العديد من الدوائر اليسارية الغربية المزعومة. ولد سمير في مصر، لكنّه أمضى سنوات عديدة من حياته في فرنسا. كان يدرك تماماً أنّه في الغرب، تكاد لا توجد رغبة في التخلي عن الامتيازات، أو الدخول في صراعات من أجل عالم يتسم بالمساواة والعدل. يندد العديد من المثقفين الغربيين «التقدميين» بالظّلم العالمي وبإمبرياليّة الغرب (المركز الشمالي)، لكنّهم لا يرغبون في النّضال أو حتى مجرّد التصويت من أجل كوكب يتسم بالمساواة. بطريقة ما، ليس هناك يسار حقيقي في الغرب. اليسار الحقيقي هو أممي بالمبدأ، بينما اليسار الغربي معنيّ فقط ويكافح من أجل تقديم الامتيازات لشعوبه (ساعات عمل أقصر، وتحسين الرّعاية الطبيّة، وزيادة الأجور، وما إلى ذلك) وفي الغالب على حساب الفقراء والشّعوب شبه المُستعمَرة في العالم أو ما نسميه نحن «الجنوب».

لقد أطلق الرئيس مادورو أخيراً هجوماً اقتصاديّاً مضاداً قد يغيّر قواعد اللعبة في النظام المالي العالمي. وكان أحد الزّعماء القلائل الذين نعوا سمير أمين في العلن. هل تعتقد أن الثورة البوليفارية في فنزويلا تأثرت بأفكار أمين لا سيّما لناحية نظريته في فك الارتباط بالاقتصاد العالمي؟ وهل تعتقد شخصياً أن مثل تلك السياسة يمكن أن يكتب لها النّجاح؟
- نعم، مبادرة الثورة الفنزويلية المتمثلة بعملة «البيترو» الجديدة كانت بالتأكيد من تأثير أفكار أمين، وقد تحدث الرئيس مادورو عن ذلك علناً. ولكن فإنه لدي أسباباً للاعتقاد بأن بلداناً أخرى، بما فيها إيران وبوليفيا، وحتى روسيا، تنظر بعناية في نظرية أمين عن فكّ الارتباط أيضاً. في عالم اليوم، فكّ الارتباط مسألة مصيريّة لكثير من أمم الجنوب، إن لم يكن لها جميعاً. لخّص إيه. كيه. أنور، في ورقة أكاديميّة له نظريّة فكّ الارتباط بقوله: «... بأبسط معانيها تتطلب هذه النظريّة قيام نظام وطني يقلّل من هيمنة القيود الخارجية المفروضة على اقتصادات العالم الثالث، ويساعد الدول المُستغلَّة على تنفيذ سياسات إنمائية ذاتيّة لتحسين اقتصاد شعوبها». وأضاف: «بالطّبع ، هذا هو مجرد تبسيط. في الواقع، فإن أمين قدّم لنا طريقاً إلى الأمام، وخطة عمليّة للأمم المضطهدة اقتصادياً لتحرير نفسها واستخدام مواردها لتحقيق أهم هدف: تحسين حياه شعوبها».

تواجه تركيا معضلة كبرى في ما يتعلق بعملتها تبدو أنها تهدد الاقتصاد العالمي بأزمه مالية جديدة. مرة أخرى، يتم التأكيد على أن الاقتصاد الليبرالي مكسور إلى درجة لا يمكن إصلاحها. لماذا تعتقد أن البلدان الرئيسية في الجنوب لا تتعلم من الدروس المتكررة ولا تخطو بجديّة نحو فكّ الارتباط؟
- أعتقد أنهم يتعلمون. وأنا متفائل جداً بأنهم كذلك. تركيا هي بالطبع مثال واحد. لكن هناك نماذج أخرى: إيران مثلاً. فنزويلا ، بوليفيا ... ثم هناك روسيا. وأنا واثق من أننا سنشهد الآن تغييرات كبيرة في المكسيك أيضاً بمجرد أن تؤدي الإدارة الجديدة اليمين الدستوريّة. في البرازيل، وهي أهم بلدان أميركا اللاتينية، فإن اليسار يتهيّأ للفوز، مع لولا، أو إذا نجحت النخبة الفاشية في إبقائه مسجوناً، من دون لولا. يسار أميركا اللاتينية هو يسار حقيقي، ولن يكرّر أخطاء الماضي. أنا أعمل في جميع أنحاء العالم وقريباً سأصنع فيلماً وثائقيّاً في المكسيك وأنا متفائل جداً لأنني أعتقد أننا بدأنا نشهد نهاية الهيمنة الغربيّة. أنظر إلى سوريا ، أنظر إلى حلب، التي أسميها «ستالينغراد العرب». لقد أثبت السوريّون للعالم بأن الإمبريالية الغربيّة يمكن إيقافها عند حدّها، ويتم إيقافها بالفعل هناك. وكل الدّول العربيّة تراقب ذلك، بعضها متأملاً، وبعضها (في الخليج) مرتعباً. بالطبع، سوريا ستكون قصّة فك ارتباط أخرى، وهي بحكم الواقع الموضوعيّ قد تم فك ارتباطها بالاقتصاد العالمي مسبقاً.

كيف كان أمين يرى الموجة الشعبوية التي ضربت الغرب أخيراً وانبعاث الفاشية بعد أقلّ من 100 سنة على الحروب التي قتلت الملايين في الغرب على وجه الخصوص؟
- حسناً، بداية لا بدّ من التنويه بأن حروب الغرب تسببت بمقتل عدد كبير من البشر في البلدان غير الغربية أكثر ممن قتلوا في الغرب نفسه، لكن تلك مسألة لا تستحق طرحها للنقاش في باريس أو لندن أو برلين. فقط في القرن العشرين وحده، ألق نظرة على ما حلّ بالكونغو، ناميبيا، شبه القارة الهنديّة أو جنوب شرق آسيا. أيضاً الشرق الأوسط. كان هناك خلاف بسيط حول ذلك بيني وبين أمين، وقد ناقشناه بصراحة وعلانية في موسكو نهاية 2015 عندما كنّا نخاطب المثقفين اليساريين الروس في مسرح ماياكوفسكي. أمين كان يعتقد أن جميع الشرور نتيجة مباشرة وتلقائيّة للنظام الرأسمالي العالمي، بينما كنت أجادل بحقيقة ما دعاه كارل يونغ بـ «الثقافة المريضة في الغرب». إن الثقافة الغربيّة هي أساساً ثقافة مريضة منحرفة، وما الإمبرياليّة والأشكال المتطرّفة من الرأسماليّة سوى نتاج مباشر ومنطقي لها.

رغم جميع التدابير الرأسمالية الطابع التي اتّخذتها الصين واندماجها العميق في الاقتصاد العالمي، بقي أمين يحاجج بأن التجربة الاشتراكيّة هناك ناجحة. كيف تفسّر ذلك؟
- تلك كانت وجهة نظره، وأنا اتفق معه تماماً. الصين نظام اشتراكي ناجح للغاية، نفّذ تجارب على بعض الممارسات الرأسماليّة وطبقها بشكل براغماتي. ومع ذلك، فإني أثق ومعي العديد من المفكرين بما يمكن وصفه «الغايات الشيوعيّة، والوسائل الرأسمالية». بينما تسيطر المصالح التجارية الكبرى على الحكومات في الغرب، فإن الحكومة في الصين تملي على الشركات ماهيّة ما تنتج وكيف ينبغي أن تنتجه لصالح الأمّة. أنا وأمين قضينا ساعات طوالاً في مناقشة الصين، وحقيقة يمكن أن تكتب مجلدات عن النظام الصيني. كلانا كان شديد الإعجاب بالتجربة الصينيّة، وكلانا يدرك تماماً مدى تلطّخ سمعة هذا النظام في الغرب ليس فقط من قبل وسائل الإعلام الرئيسة، بل أيضاً من قبل «اليسار» الغربي الذي لا يمكن أن يتقبل فكريّاً أن بلداً آسيوياً ــ غير غربي ــ قادر على بناء مجتمع أفضل بكثير من أي شيء تم إنشاؤه في أي وقت مضى في أوروبا وأميركا الشمالية، ودون نهب بقية العالم.

بسبب الغرب وحلفائه السعوديين، أُخرج الإسلام عن مساره واختُطف ووظّف ضد الشعوب


يقول البعض إن نموذج دبيّ يشكل تحدياً لنظريات أمين. فهناك مدينة تمكنت من فرض نفسها على الاقتصاد العالمي عن طريق تعميق التشبيك مع الاقتصاد العالمي بدلاً من فكّ الارتباط. كيف كان أمين يرى هذه التجربة، وما هي الدروس التي يمكن تعلّمها؟
- نحن لم نتحدث أبداً بشأن دبي. لكن أليس من الواضح أن الخليج بمجمله تجربة اقتصاديّة شاذة مبنيّة على عوائد النفط والعمالة الأجنبية الرخيصة من شبه القارّة الهنديّة، والفيليبين، وأفريقيا. هذه العمالة لديها حقوق قليلة جداً، وإذا كانت بعض أجزاء الخليج ليس لديها نفط، فإنها تعمل كمواقع خدمات ترفيهيّة أو مراكز مصرفية للأجزاء التي تمتلك النفط لا أكثر. لست متاكداً إذا كان مثل هذا النموذج غير الطبيعي قابلاً للتطبيق في أجزاء أخرى من العالم.

العديد من الاقتصادات الرائدة في الجنوب مثل روسيا وإيران وحتى الصين تضطر تحت ضغط المركز الغني إلى تنفيذ نوع من فكّ ارتباط اجباري والبحث عن البدائل. لكن مع ذلك، فإن هذه الدول تظلّ مترددة في السير بشكل كامل في هذا الاتجاه، وتبدو مرحبة باستئناف الاندماج في النظام العالمي كلما أتيحت لها الفرصة. هل قّدّم أمين تفسيراً لذلك؟
- أعتقد أن هذا كان يحدث في الماضي عندما بدا كأنه لا بدائل حقيقيّة. لكن الآن هناك خيارات، وكثير من البلدان ستقرر السير في نهج فكّ الارتباط. هناك الآن مجموعة دول البريكس، وهناك بشكل متزايد تبادلات تجاريّة بينيّة بعملات محليّة مثل اليوان والروبل، وهناك أيضاً مصرف آسيا للاستثمار في البنية التحتية، وبنك التنمية الجديد (NDB). أمين كان لوقت طويل يؤمن بتحالف ممكن بين باريس وبرلين وموسكو في مواجهة واشنطن. أعتقد أنّه في نهاية أيامه وصل إلى قناعة بأن أميركا الشمالية وأوروبا تشكل كياناً إمبريالياً واحداً، وبأن هناك مقاومة متزايدة للهيمنة الغربيّة على العالم تتشكل حول تحالف بكيّن - موسكو.

انتقد أمين بشدة الإسلام السياسي (الإخوان المسلمين) وكذلك الهندوسية السياسية والبوذية السياسية. ومع ذلك، فإن هنالك بعض الحالات الاستثنائيّة (حزب الله ولاهوت التحرير في أميركا اللاتينية) كانت في قلب المواجهة مع القوى الإمبريالية. كيف كان أمين يقرأ ذلك؟
- انتقد أمين «الإسلام السياسي» تحديداً. هو انتقد كذلك النموذج السياسي من الدّيانات الأخرى. تفسيره العبقري لذلك هو أنّ «المتشددين الإسلاميين لا يعبأون في الواقع بمناقشة الدّوغما العقائديّة التي تشكل الدّين، لكنهم على العكس من ذلك معنيّون أساساً بطقوس الانتماء لمجتمعهم. هذه الصورة لا تبعث على الأسى لأنها تخفي فقراً هائلاً بالفكر فحسب، بل لأنها تبرر أيضاً للإمبريالية الاستعاضة عن «صراع الثّقافات» لمصلحة صراع بين تحالف مراكز الليبرالية والإمبريالية العالميّة من جهة ودول الجنوب في الأطراف من الجهة الأخرى. أعتقد أن هذا نقد مشروع تماماً ، بالنّظر إلى أن الغرب مسؤول بالكليّة عن الحالة الإسلاميّة لا سيّما لندن التي دعمت ونشرت الوهابيّة. وقد استمرت لندن وواشنطن في الإطاحة بالحكومات الاشتراكيّة في العالم الإسلامي واحدة تلو الأخرى من إيران (1953) إلى أندونيسيا إلى أفغانستان، لتضع على العروش في تلك الدّول أكثر الحكام رجعية ووحشية وجشعاً. وهؤلاء يوظّفون الإسلام كغطاء لعمالتهم للغرب. هذا ما انتقده أمين، وأنتقده أنا أيضاً. لم يتناه لي أبداً أن أمين انتقد حزب الله، أو إيران أو تجربة الإمام الصّدر. تاريخياً وثقافياً، الإسلام دين اشتراكي. لكن في العديد من البلدان وبسبب من الغرب وحلفائه السعوديين، أُخرج الإسلام عن مساره واختُطف ووظّف ضد الشعوب. لقد رأيت ذلك واضحاً في عديد من الأماكن مثل أدونيسيا والخليج. نقطة واحدة مهمة هنا: أمين لم ينتقد أبداً جوهر الإسلام، وكان قلقاً للغاية من الإسلاموفوبيا في الغرب. موقف أمين الانتقادي من «الإسلام السياسي»، لا ينبغي أن ينسينا احترامه للثقافة الاسلامية.

اعتبر أمين نفسه «ماركسياً مبدعاً». قلّة فقط من اليساريين اليوم ما زالت لديها أوهام حول الماركسية السوفيتية المتكلّسة. ولكن كيف يمكن للمرء أن يكون ماركسياً خلّاقاً في هذه الأيام حيث الطّبقات لم تعد محددة بوضوح، والصّراعات الأفقية (العرق، والنسويّة والمثليّة والأديان ..) تتصدر المشهد.
- الغرب «اختطف» اليسار، كما اختطف الإسلام. وقد تسللت «جماعات المصالح» والنّزعات الفردية إلى ما كان حركة أمميّة منضبطة للغاية. ما يدعى بـ «اليسار» في الغرب اليوم ما هو إلا نوع من الاتجاهات الفوضويّة (مفهوم غربي تماماً ولا يمكن أن يحظى بالقبول في أماكن مثل آسيا)، مختلطة بمسائل الميول الجنسية والهوية الجنسانية. إنها ليست كتلة ثورية، بل هي بعيدة جداً عن أن تكون كذلك. هو «يسار عصر السّيلفي». الماركسية الخلّاقة هي التي تلك التي نراها اليوم في الصين وأميركا اللاتينية وبلدان أخرى غير غربية. الشيوعيّة بالتأكيد لم تمت كما يريدون لك أن تعتقد في لندن وباريس ونيويورك. لقد تطوّرت الماركسيّة، وسوف تستمر بالتطوّر. لكن جوهرها هو نفسه: الأمميّة، والمواجهة القاسية مع الإمبرياليّة الغربيّة، والمساواة للجميع. أمين كان يرى بوضوح الأمل في بكين وموسكو، وهذا هو السبب في أنّه كان يحبّ أن يكون هناك (وكذلك أنا بالطبع).

هل تعتقد بأن إرث أمين الفكريّ لديه القدرة على الاستمرار مؤثراً لسنوات مقبلة؟
- نعم ، بالتأكيد. لقد كان سمير أمين مفكراً عظيماً، ورفيقاً حقيقياً، وشيوعياً صلباً حتى في تلك الأوقات التي قام فيها ما يعرف «اليسار» الغربيّ بخيانة الشيوعية. الناس مثله، ومثل ادواردو غاليانو في أميركا اللاتينية، هي رموز من النّزاهة الهائلة والعناد الثوري. سيخلّد إرث أمين الفكريّ، عاجلاً وليس آجلاً. ربما ليس في الغرب، لأن الغرب بسيطرته المروّعة على الكوكب، سينتهي قريباً. تراث أمين الفكري سيقدّره مليارات الفقراء الممتنين له في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك بلده الأصليّ مصر، حيث ينبغي أن ينصب تمثاله في وسط ميدان التحرير.