تشهد الروايات التي أصدرها مروان عبد العال أن موضوعها، وهمها الأساسي، ومحورها تتمثل في تصوير معاناة الشعب الفلسطيني ونضال هذا الشعب من أجل استعادة حقوقه التاريخية والجغرافية والقانونية، وحماية هويته الوطنية – الإنسانية. هذا في ما يتصل بمضمون المشروع الروائي للكاتب، بيد أن الأهم من هذا المضمون يتجسد في سؤال «الكيف»، أي كيف يقول مروان ما يود قوله في رصد جوانب من قضية فلسطين؟ ويبدو سؤال «الكيف» عنواناً للتحدي الأساس الذي يواجه كل الأعمال الفنية والجمالية لأي مبدع، بعدما بات واضحاً أن سؤال «الماذا؟» ليس هو التحدي الجوهري للإبداع أياً كان نبل القضية أو القيمة أو المبدأ.

تطمح هذه المقالة لأن تتسلل إلى العملية الكتابية ــ الإبداعية لمروان عبد العال، وبالتحديد إرهاصات الكتابة وما يسبقها من نشاط ذهني يتمثل في سلسلة من «المونولوجات» وعمليات العصف الذهني التي يجريها الكاتب – والتي قد تستمر شهوراً أحياناً – حتى يستقر على صيغة مقبولة لديه للشكل الروائي الملائم لكتابة رواية ما، وهو ما نقصده هنا بسؤال «الكيف» الإبداعي.
أما أن مروان قد اختار لنفسه من البداية ألا يكتب رواية فلسطينية رومانسية أو تقليدية، وهو خيار يتسق مع مهارته كفنان تشكيلي، فقد كان لا بد له من البحث عن بديل يضمن له إنجاز رواية تنتمي إلى عالم ما «بعد الحداثة»، بحيث تكون الرواية ابنة عصرها من حيث الشكل والبناء الفني، وتضيء – في الوقت ذاته- جانباً معيناً من جوانب القضية الفلسطينية، أو مرحلة من مراحلها التاريخية. والكاتب بهذا المعنى يشغل ذهنه ويستنفر خياله في البحث عن «المسافة الجمالية» التي يتمكن من خلالها من نقل الكتابة من حيز السرد الواقعي – التقليدي السائد والمتداول إلى حيز عالم فني آخر يوازي الواقع من دون أن يتعالى عليه، ذلك أن الكاتب يستمد مادة روائية من حياة واقعية، وحقائق تاريخية، بل يمضي إلى ما اختزنه تراث شعبه من مقولات وخرافات وأساطير، وغير ذلك.
ويبدو لي أن مروان، قبل أن يمسك بالقلم ليبدأ رحلة الكتابة ــ وأقصد هنا الكتابة الروائية بالطبع – يكون قد انتقى تلك العناصر والوسائل والوسائط التي سيعيد رسمها ومزجها وتركيبها لتشكل هيكلاً بنائياً قوياً قادراً على حمل المحتوى التاريخي أو السياسي أو الثقافي لروايته. وما دمنا في مجال الحديث عن تلك «المسافة الجمالية» التي تفصل «المادة الخام» عن «المادة الفنية» في شكلها النهائي، يتعين علينا أن نُفصّل في عناصر هذه المسافة الجمالية التي يوظفها الكاتب برؤية جديدة تنقل بناء الرواية من شكل تقليدي إلى شكل مختلف. ولا ضير في أن نختار «ثيمة» أساسية من «الثيمات» العديدة الواردة في روايات عبد العال، مع تركيز خاص على روايتيه الأخيرتين «60 مليون زهرة» (دار الفارابي ـ بيروت 2016) و«الزعتر الأخير» (دار الفارابي ـ بيروت 2017). أما «الثيمة» المختارة، فهي «جدلية الموت والحياة» أو انبعاث الفلسطيني حياً من قلب الموت. فكيف عبّر الكاتب عن هذه الثيمة عن طريق توظيف المسافة الجمالية، متجنباً السرد التاريخي ومنتصراً لرؤية فنية جمالية إبداعية؟
ولعل أولى الأدوات الفنية التي استخدمها مروان في تحقيق جمالية الشكل الفني، تتمثل في توظيف الفنتازيا كأداة فنية غير مألوفة في الإطار الواقعي، ومثال ذلك أنه منح بطولة رواية «60 مليون زهرة» لتمثال الجندي المجهول القائم في غزة منذ عام 1957، وما زال حتى اليوم بالرغم من تدميره على يد قوات الاحتلال الصهيوني أكثر من مرة، بل تفجيره من قبل أفراد، أو قوى موتورة متخلفة بذريعة أن التمثال وثن ينبغي ألا يظل قائماً، وبالذات في غزة.
في هذه الرواية، قام الكاتب ببعث الحياة في التمثال الرخامي وجعل منه شخصية روائية، وأحد الرواة في عدد من المشاهد، بل إنه الشخصية التي تفتتح الرواية. وليس من قبيل المبالغة القول بأن «60 مليون زهرة» هي رواية غزة بامتياز. غزة في نهوضها، واحتلالها، وقيامها، وتناقضاتها، ونضالها، وجواسيسها، ورواد المقاومة فيها المشار إليهم بأبناء العنقاء (إحالة إلى دور الجبهة الشعبية في زمن جيفارا غزة، ما أرغم العدو على الاعتراف: إننا نحكم غزة في النهار، وتحكمها الجبهة الشعبية ليلاً.) وهي رواية غزة حين كانت حقلاً من الورود والأزهار تنتج وتصدر للعالم ما يقرب من 60 مليون زهرة. وهو الرقم الذي اختاره الكاتب عنواناً لروايته، على أن التمثال الحجري الذي استخدم في السرد الفنتازي لا يبقى في إطار الفنتازيا، بل يصبح مثالاً ونموذجاً لـ «رامبو الخليلي»، خال الفتاة التي تواصل البحث عنه بعدما انقطعت أخباره، ما يعني أن روح الجندي المجهول تسري في وعي الجماهير، وتربط – فنياً – الفنتازيا، بالواقع الملموس.
أما ثاني عناصر «المسافة الجمالية» في هذه الرواية، فيتمثل في توظيف الأسطورة لدى تناول الروائي لتلك الفتاة الغزية المناضلة. إذ يعود مروان إلى أسطورة «دليلة» و«شمشون»، مركزاً على شخصية دليلة التي صورتها الكتب الدينية والسينما الأميركية على أنها رمز للغدر والخديعة. لكن الكاتب يعيد صوغ رؤية دليلة من منظور وطني فلسطيني لتصبح دليلة رمزاً لغزة ذاتها.
أليست دليلة – الأسطورية غزية أصلاً؟ على أن دليلة الجديدة لا تقص شعر شمشون الأسطوري، بل تنتصب رمزاً يسعى إلى قص جذور الاحتلال من أرض فلسطين. ولا يفوت الكاتب أن يمر على حالة الانقسام الفلسطيني القائمة حتى اليوم، ما بين جناحي الوطن المبتورين: غزة والضفة، حيث تصبح دليلة هي غزة التي تنسق الزهور، فيما تقف أختها «جليلة» رمزاً للتنسيق الأمني مع سلطات الاحتلال.

توظيف الفنتازيا والأسطورة والرموز المركبة، والذاكرة التي تحفظ الهوية والمكان والزمان


وثالث هذه العناصر التي تعزز استراتيجية «المسافة الجمالية» في البناء الروائي/ تتمثل في التقاط الروائي لما يمكن أن تطلق عليه «معجزة الخلق البشري دونما اتصال مباشر بين رجل وامرأة»، ما يحيل إلى عبقرية الأسرى الفلسطينيين في سجون العدو في تهريب نطفهم إلى زوجاتهم خارج السجن ليحقق الفلسطيني الأسير أعجوبة استيلاد الحياة من قلب الموت وأسوار الحصار. وفي هذا السياق، أشارت التقارير إلى أن ما يقارب من خمسين أسيراً أصبحوا آباءً لأبناء وبنات فيما هم قابعون في سجون العدو.
ومن المؤكد أن إبداع الأسرى في إنجاب أطفال دون اتصال مباشر، كان إنجازاً يستحق أن يشار إليه في عمل روائي، خاصة أن العازف الفنان كان في الأصل نطفة مهربة من السجن، وما علاقة التآلف والتلاحم بين دليلة والجندي المجهول والعازف إلا ائتلاف رموز تمثل روح القوة والقيم والجمال متضافرة في سبيل بناء وطن حر وشعب بلا قيود.
ولعله بات معروفاً للجميع أن رمزية العنقاء، أو طائر الفينيق، الذي يعد طائراً خيالياً يتسم بالقوة والجمال، أنه حين يموت، يحترق ويغدو رماداً لينبثق من قلب الرماد طائر جديد.
تعيدنا «ثيمة» الحياة من قلب الموت إلى رواية «جفرا» حين استخدم الفنتازيا ليُنطق جفرا، المتوفاة، والمحمولة على الأكتاف باتجاه القبر. جفرا هي العنقاء الفلسطينية التي نهضت من جوف الموت لتبث الحياة في الجماهير الصامته الخانعة، ما يعني أنها لم تكن محمولة إلى قبرها بقدر ما كانت ناهضة نحو الخلود.
على أن «المسافة الجمالية» في رواية «الزعتر الأخير» تتحقق من خلال «عنقود الرمز المتكامل» الذي تنطوي عليه لفظة الزعتر. في هذه الرواية، يغدو «الزعتر» عنقوداً من الرموز المترابطة ذات الدلالات المتعددة، إذا يجيء مرة:
• رمزاً لمخيم تل الزعتر، ومرة.
• للمناضل «أبو أحمد الزعتر»، ومرة؛
• يأخذ شكل الماعز الوطني المضاد للتيوس الانعزالية، ومرة؛
• للزعتر باعتباره ابن الأرض الذي تجود به طعاماً للإنسان.
والرواية، بإيجاز، تخليد لملحمة تل الزعتر، وتخليدٌ أيضاً لأهله وشهدائه ومقاوميه وقادته. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الرواية في كثير من مشاهدها تنهل ــ كما بدا لي ـــ من سيرة المناضل «أبو أحمد الزعتر» أحد قادة الجبهة الشعبية وأحد أبرز المدافعين عن تل الزعتر- المخيم. في روايته الموسومة «زهرة الطين»، قدم مروان عبد العال لروايته بإهداء لأبي أحمد الزعتر باعتباره معلماً ومسؤولاً وكاتباً وقائداً وإعلامياً وسياسياً ومناضلاً وجريحاً وسجيناً، ويبدو أن الإهداء لم يكن كافياً، فإذا بالروائي يستنهض ذاكرته وينهل معظم روايته من سيرة أبو أحمد الزعتر.
عنصر من عناصر المسافة الجمالية نلحظه في «الزعتر الأخير» عندما يغدو «الزعتر – الماعز» أو «الماعز – الزعتر» شخصية روائية يخاطبها الصبي ويشعر بأنها ترسل إشارات ترمي إلى حمايته من خطر أصحاب البساتين.
في حرصه على تحقيق المسافة الجمالية، استطاع مروان عبد العال أن يثبت قدميه في كتابة رواية ما بعد الحداثة، ليصبح واحداً من أبرز الروائيين العرب في توظيف الفنتازيا والأسطورة والرموز المركبة، والذاكرة التي تحفظ الهوية والمكان والزمان والعلاقات الإنسانية، وتبقى في كل الأحوال محرضاً على قوة الإرادة وضرورة الفعل والإيمان بالانتصار طال الزمن أم قصر.