على سبيل المزاح وربما السخرية الذاتية، كتب المغني والمخرج المصري تميم يونس أسماء تسعة مؤلفين ــ هو واحد منهم ـــ على تترات أغنية «إنتي أي كلام». الأغنية التي أطلقها صاحبها على موقع يوتيوب، ليست عملاً ملحمياً يتطلب هذه الكتيبة من الشعراء، بل لا تتكون الأغنية في الواقع إلا من ثلاث كلمات فقط، فالعنوان هو نفسه القصيدة، يتغير اللحن ويتنوع من راقص إلى «حزايني»، تتبدل المقامات ولا يقول المغني لحبيبة متخيلة سوى «إنتي أي كلام». يرددها بلا كلل حتى تنتهي الأغنية وتنزل التترات بأسماء المؤلفين التسعة.

غير أن قلة عدد الكلمات لم تنعكس على عدد الجمهور. حققت الأغنية ما يقرب من ثلاثة ملايين مشاهدة على موقع يوتيوب خلال أسابيع ثلاثة. رقم أكثر من ممتاز لمغن ليس نجماً، (ولا يعرف معظم الجمهور حتى إنه أحد مخرجي برنامج «أبلة فاهيتا» الشهير والمتوقف). شاركت فرقة «شارموفرز» الشبابية المعروفة في الكليب، ولا يبدو أن الفرقة، ولا المغني، ولا الجمهور، شعروا بأي حاجة إلى استخدام «أي كلام» لتنجح أغنيتهم.



إذا كان غياب الكلمات حرفياً في حالة أغنية تميم يونس، فثمة حضور أشبه بالغياب في ما يفترض أنها «أغنيات» حققت نجاحاً في الآونة نفسها. بنظرة سريعة أو استماع خاطف إلى «أغنية» الممثل محمد رمضان «نمبر وان»، تستقبل المستمع كلمات منها «إنت و صحابك ليا باصين/ انا جمهوري واقف في ظهري/ سوبر وان وانتوا عارفين» أو «احذر يا طفولة الاسطورة معاك/ دخلك حياتك عملك ازعاج». لسنا هنا بصدد أغنية عمل درامي بل كليب مستقل يعتقد فيه «المغني» أنه يفحم خصومه. ليست الصراعات والمنافسات الغنائية شيئاً جديداً، لكن غناء كلمات بهذه الركاكة ــ من دون أن يبرر ركاكتها سياق درامي ما، على غرار «كابوريا» أحمد زكي مثلاً – هو أمر يكاد يكون غير مسبوق بين نجوم الصف الأول.
غير أن سميرة سعيد (الصورة)، في الشهر نفسه تقريباً تعود بأغنيتها «سوبرمان». عنوان لا يختلف كثيراً عن «نمبر وان». تسخر سمير من حبيبها، مواصلة سياقاً غنائياً أشعلته بنجاح منذ أغنيتها «محصلش حاجة». لكن على العكس من الكلمات المتماسكة والدرامية في «محصلش حاجة»، والتي لا تخلو من بعض الصياغات الشعرية المعقولة على غرار «شنطة ذكريات جديدة»، جاءت أغنيتها الجديدة «سوبرمان» متفرغة للـ«الردح» بالتعبير المصري، من دون صياغة فنية للكلمات باستثناء الوزن والقافية، ومليئة بألفاظ على غرار «كسلان ومأنتخ.. وكرشه قصاده شبرين .. قاعد ياما هنا ياما هناك»، وغيرها من عبارات تذكر ببعض الروايات المسرحية الركيكة مطلع القرن العشرين.

كان بليغ حمدي ينسج لحناً مغايراً لمعنى الكلمات أحياناً


تبقى الكلمات قصيدة إلى أن يمسّها اللحن فيحولها إلى أغنية، لكن حتى قبل هذا المسّ والتحوّل لا يمكن أن تنطبق الغنائية على نص تغيب عنه الشعرية في أبسط صورها. كان هناك من الملحنين الكبار من يعتقد أن الكلمات غير مهمة على الإطلاق ويمكن استبدالها حتى بغمغمات وآهات، وبعضهم، كبليغ حمدي كان ينسج لحناً مغايراً لمعنى الكلمات تارة، أو كان يكتب بنفسه ــ بتوقيع «ابن النيل» ــ تارة أخرى. مع ذلك، حتى حين كتب بنفسه مستبعداً الشعراء، وحتى عندما حفظ المستمعون ألحان أغنياته تلك أكثر من كلماته، فقد بقيت تلك الكلمات التي كتبها الموسيقي الكبير تحمل روحها الشعرية من «بنلفّ»، إلى «الحب اللي كان».