تدور أحداث رواية «بائع الحكايات» (دار الآداب ــ ترجمة جورج يعقوب) للكاتب البولوني ستانيسواف ستراسبورغر بين سوريا والأردن ولبنان. الراوي الذي يحمل اسم يان سوبارت (اسم مستعار للمؤلف نفسه) هو مهندس جيولوجي يأتي إلى الشرق الأوسط ضمن مجموعة تابعة لشركة تنقيب عن الغاز، لكنه ينغمس في الحياة اليومية للمجتمعات التي يعيش فيها، وتتحول مهنته أو وظيفته الأصلية إلى خلفية باهتة وبعيدة لما يجري في الرواية المؤلفة من حكايات متتالية تخضع لتقطيعات سردية تمكّن المؤلف من اللعب بالسياق الروائي والزمني، والتنقل بسلاسة بين الأمكنة.


المونتاج السردي هو جزء من خطة الرواية التي يختلط فيها الاسترسال مع القطع، واليوميات مع الوصف. أثناء ذلك كله، يواصل المؤلف الحديث مع قارئ متخيل أو مع نفسه، بينما بنية الرواية تكاد تكون نوعاً من اليوميات المكتوبة بمزاج السائح الذي قرر المكوث أكثر، والتعرف إلى تفاصيل البيئة التي يقيم فيها. بيئةٌ تظل ترسل إليه إشارات وتفاصيل ومشهديات حياتية صالحة لخلطها مع رغبة المؤلف في جعل هذا الخليط جسم الرواية. الرواية هي لقاء بين الشرق والغرب، لكنه شرقٌ اشتراكي هذه المرة، ولعلها سابقة أن تُكتب رواية تجري في العالم العربي من وجهة نظر شخص ينتمي إلى «الكتلة الشيوعية» بحسب مصطلحات زمن الحرب الباردة. كان ممكناً لهذا اللقاء السردي أن ينضم إلى عدد من الروايات التي صُنِّفت داخل مفهوم «شرق وغرب/ رجولة وأنوثة» بحسب عنوان كتاب نقدي لجورج طرابيشي، لكن هذا اللقاء لا يستبيح هذه المنطقة السردية كما فعلت روايات شهيرة مثل «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، و«موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، و«أصوات» لسليمان فياض. إنها رواية يتحسس فيها صاحبها عالماً جديداً بالنسبة إليه، وينقل للقارئ البولوني والأجنبي اكتشافاته وانطباعاته الأولى عن هذه الاكتشافات، إضافةً إلى مقاربات أكثر عمقاً متأتية من دراسته المسبقة للأدب العربي، وإتقانه اللغة العربية التي ترافق تعلّمه لها مع إقامته الأولى في دمشق. اللغة المحلية ستساعد الراوي على التغلغل أكثر في ثقافة وتقاليد المجتمع الجديد، لكن صدى ذلك سيبقى عمومياً، وسيُترجم على شكل يوميات ومشاهدات تحدث لسائح أجنبي. ربما كان ذلك مغرياً ولافتاً لقارئ الرواية بلغتها الأصلية، لكنها تظل للقارئ العربي خليطاً من تفاصيل ومرويات يعرفها مسبقاً، ويعرف الزاوية التي ينظر منها المؤلف إلى هذه التفاصيل. برغم ذلك، لا تزال لحظة الارتطام بين ثقافتين مادةً تمتلك الكثير من الجاذبية والتشويق، إضافةً إلى سوء الفهم أو المفارقات التي تنشأ من الطريقة السطحية التي يُعامل بها بطل الرواية ككائن «أبيض وأشقر». مفارقات شعبوية مبتذلة عن سهولة الجنس في الغرب، وعن دونية اجتماعية في مخاطبة البطل، الذي غالباً ما يحصل على اهتمام زائد فقط لكونه مختلفاً عن ابن البلد. في مدينة العقبة الأردنية، يعيش البطل جانباً من هذه المفارقات مع سليم، الذي يخبره بعلاقة الكترونية تربطه بفتاة روسية، ومع هارون موظف الاستقبال في الفندق الدمشقي، الذي ينزل فيه الرواي.
هناك سيتعرف إلى جميلة اللبنانية، التي تحيط وجودها بغموض متعمد. أحياناً، نحس أنها مجرد مومس راقية تتدبر أمرها بذكاء مع الزبائن، وأحياناً تبدو فتاةً تجرب شيئاً مختلفاً مع البطل الأجنبي، لكن العلاقة لا تتطور إلى ممارسات جسدية. داخل هذه السياقات، تسرد الرواية يوميات البطل في حلب ودمشق والعقبة. يومياتٌ يجري قطعها بسرديات تراثية وأشعار وحكايات عربية، فتبدو الرواية حقلاً لمثاقفة قد تكون مقنعة للقارئ الأجنبي، وقد يجدها القارئ العربي عادية. في الحالتين، هناك رغبة لدى المؤلف في استثمار قراءته في الأدب والتراث العربي، وخلق نوع من الحكاية المعاصرة داخل التراث الحكائي العربي. كأنه جاء ليبيع الحكايات في حارة الحكائين. «ألف ليلة وليلة» ليست بعيدة كخلفية غير مباشرة، وهناك فصل كامل مكتوب على شكل مشاهد حوارية واقتباسات عربية وأجنبية عديدة، فنقرأ سطوراً لنزار قباني وإمبرتو إيكو وأبي نواس، وآيات من القرآن، وسطوراً من نشيد الإنشاد، وملخصاً لحكاية النبي سليمان وبلقيس ملكة سبأ. يختلط كل ذلك مع ضجيج الباعة في الأسواق القديمة، وأصوات المؤذنين في المساجد، ويوميات الحياة الراهنة التي يعيشها البطل الذي يجرب تقنيات مختلفة لكتابة ذلك، فنقرأ يوميات ينسبها إلى «ميريك»، وهو اسم آخر للراوي الذي يُعيد ما يحدث في سرد متدفق ومتماسك أكثر. سردٌ يبدو مريحاً ومقنعاً أكثر من التقطيعات الأسلوبية التي تبدو كأنها «مؤذية» للسرد الذي يتمنى القارئ لو أن الرواية كلها كتبت بمنطق اليوميات المتواصلة.

يمكنكم متابعة حسين بن حمزة عبر تويتر | @hbinhamza