صدمة جماعية سادت مواقع التواصل الاجتماعي أمس. فجأة، راح الجميع يتداول الصورة نفسها. إنّه «الانتحاري» بجلابيّته ولحيته الطويلة وقع في قبضة القوى الأمنية «في منطقة حارة حريك (ضاحية بيروت الجنوبية) قبل أن يتمكن من تفجير نفسه»! وسريعاً، خيّمت نشوة جماعية وتعالت «الزغاريد» والإشادة بأداء السلطات المعنية.

لكن الضجة الافتراضية لم تدم طويلاً. ما هي إلا دقائق حتى تبيّن أن «الانتحاري اللعين» ما هو إلا حسين شرف الدين الملقَّب بـ«الواعظ» (Double A the Preacher Man)، المغني في فرقة The Banana Cognacs اللبنانية.
المسكين وقع في قبضة الدرك أثناء زيارته محلة «نزلة العاملية» ـــ ساحة القدس (الضاحية الجنوبية) بالقرب من مخيم «برج البراجنة» لإصلاح سيّارته، وفق ما أكد في اتصال مع «الأخبار».

الحديث مع شرف الدين كان سريعاً، بسبب وجوده في «مخفر الرويس» في انتظار إخلاء سبيله. ابن مدينة صيدا (جنوب لبنان) أكد أنّه أوقف بسبب شكله «المريب»، وأنّ السيارة التي كان يقودها هي ملكه، وليست مسروقة أو لخاله كما روّج بعضهم. في نهاية المكالمة التي لم تخلُ من روح الدعابة، قال «الواعظ» إن «كل شيء على ما يرام. كان سوء تفاهم وانتهى، وأنا أنتظر خروجي قريباً».
«حدا بيعمل هالعملة؟». سؤال ردّده كثيرون على الـsocial media بعد الكشف عن هوية «الإرهابي» الحقيقية. أيعقل لشاب (معروف بأسلوبه الفريد في الأزياء) حليق الرأس أن يتجوّل في الضاحية بلحية طويلة وثياب غريبة (جلابية) «تشبه أزياء التكفيريين» في هذه الظروف الأمنية الدقيقة؟ قد يكون هذا السؤال مشروعاً في بلد يعاني أبناؤه، وخصوصاً أهل الضاحية، من فوبيا السيارات المفخخة والعمليات الانتحارية، وبعد يوم واحد من وقوع تفجير أودى بحياة أربعة أشخاص وأدى إلى جرح العشرات.
لكن هذه الحادثة تطرح تساؤلات جوهرية حول الواقع الذي نعيشه اليوم، وحول تأثير الـ social media. صفحات التواصل الاجتماعي حوّلت المغني المعروف بـ«أبو علي» إلى «إرهابي» بلمح البصر، من دون التحقق من الموضوع.
المسألة لم تقتصر على ناشطين أو مواطنين عاديين، بل إنّ إعلاميين معروفين شاركوا في الترويج للخبر أيضاً. وقد اكتسبت الحادثة أهمية إضافية، لأنّها وقعت بعدما تناقلت الشاشات المحلية خبراً يفيد بالاشتباه بسيارة مفخخة في حارة حريك.
تعليقات مستخدمي فايسبوك وتويتر تنوّعت بين من استنكر ما فعلته القوى الأمنية، وبين من شجب وجود شرف الدين في الضاحية «بهذا المنظر» أمس. «بعضّ النظر عما إذا كان الشاب انتحارياً أو لا، لا يحق لأحد لوم الناس على خوفها في هذا الزمن الصعب»، كتب أحدهم على صفحته الفايسبوكية، فيما قال آخر على تويتر: «إنّها حرّية شخصية. لا يمكن تصنيف الناس بحسب مظهرهم». بعض ستاتوسات الموقع الأزرق تضمنت لوماً لتعاطي روّاده مع الموضوع، إذ علّق أحد الإعلاميين بالقول إنّ «القوى الأمنية لا تعرف أنّ الجميع أصبح من محبي الـ«نقل المباشر». القوى الأمنية اشتبهت بالرجل وقامت بواجبها، لكنّها لم تشهّر به ولم تنشر صوره». لعلّ الطريف في القضية هو «كليشيه الإرهابي» الذي بات راسخاً في أذهاننا وأعطى صدقية للشائعة. يبدو أنّه من الآن فصاعداً، علينا اجتناب ارتداء «الجلابية» وإطالة اللحية!

يمكنكم متابعة نادين كنعان عبر تويتر | @KanaanNadine