في فيلمها الروائي الثالث بعد«سكر بنات» (2007)، و«هلأ لوين» (2011)، راهنت نادين لبكي على المغايرة، متخذة من الهم المحلي وسيلة ندية لشق طريقها إلى العالمية، من دون تملق الاستبلشمنت الغربي. النتيجة، تحفة سينمائية قارن النقاد بنيتها الإخراجية بالنفس التسجيلي لـ«الواقعية الإيرانية» التي أسس لها المعلّم الراحل عباس كياروستامي. أما مضمونها، فقد قارنته صحيفة «لوموند» برائعة «البؤساء» لفيكتور هوغو… كل الظروف كانت مهيأة لجعل «كفرناحوم»، ضربة معلم (ة) خولت صاحبته أن تكون واحدة من 82 سينمائية فقط حظين بشرف خوض سباق «السعفة الذهبية» في «مهرجان كان السينمائي»، على مدى سبعة عقود، لتكون أول عربية تنال ثالث أهم جوائز المهرجان الفرنسي العريق (جائزة لجنة التحكيم).

بداية، على صعيد المضمون، تناول الفيلم حزمة من المواضيع الساخنة والسجالية نكأت المخرجة من خلالها جراح عدد من الإشكاليات الحارقة المرتبطة بالراهن اللبناني والعربي، من الفئات الاجتماعية المقصية أو ما يعرف في لبنان بـ«مكتومي القيد»، إلى أطفال الشوارع المشردين، وخادمات البيوت المضطهدات، وصولاً إلى معاناة اللاجئين السوريين.
ثانياً، وعلى صعيد الشكل، أبهر الفيلم النقاد، خلال عرضه على الكروازيت في أيار (مايو) الماضي، ببنية إخراجية محكمة جاءت أقرب إلى مدرسة «الواقعية الإيرانية» منها إلى السينما الشاهينية التي خرجت صاحبة «سكر بنات» من معطفها. لا مكان في «كفرناحوم» لأي خطاب تبشيري يزرع الأمل أو يعظ بالخير، ولا لأي حبكة ميلودرامية تعنى بتقديم حلول للإشكاليات المطروحة. عوضاً عن ذلك، راهنت المخرجة على النفَس الإنساني، من خلال رحلة تيه غاصت بفضلها عميقاً في أوساط البؤساء والمقصيين، مطلقة العنان لكاميراها المحمولة على الكتف لتقفز برشاقة من تيمة إلى أخرى، ومن سؤال حارق إلى آخر، ضمن سلسلة طويلة من المشاهدات التسجيلية التي منحت الفيلم نفساً توثيقياً حصّن المخرجة ضد الشطط الميلودرامي الذي شاب فيلمها الثاني «وهلا لوين؟».
وبين هذه وتلك، هناك أيضاً خيار فني جسور، يجب تثمينه، عماده المراهنة على الهم المحلي كوسيلة ندية لشق الطريق نحو العالمية، من دون الحاجة إلى تملّق الاستبلشمنت الغربي المهمين، كما يفعل كثيرون ممن يطمحون إلى تحقيق مكان لأفلامهم تحت شمس المهرجانات السينمائية الكبرى. الهم المحلي الذي يتخبط فيه مهمشو «كفرناحوم» وأبطاله المسحوقون، في أتون العشوائيات اللبنانية، يحمل في طياته معاناة إنسانية ذات طابع عالمي تجعل منه معادلاً موضوعياً للألم الذي يكتوي بناره الملايين من المقصيين في «أحزمة الفقر» المحيطة بكبريات المدن، على القارات الخمس، من ريو دي جانيرو إلى مكسيكو، ومن القاهرة إلى نيودلهي ومانيلا.
معطى آخر ربط فيلم لبكي بـ«المدرسة الكياروستمية» برز من خلال المراهنة على ممثلين غير محترفين أبهروا بأدائهم المتّقد عفوية وحباً للحياة. في مقدمهم، بالطبع، بطلا الفيلم الطفلان، السوري زين الرافعي والإثيوبي تريجر بنقوله اللذان منحا نادين لبكي، من خلال رحلة تيههما في أتون حياة الشوارع، تذكرة استثنائية للغوص في عوالم المسحوقين والمهمشين، ليكتشف المشاهد وجهاً آخر للبنان: وجه قبيح يعبق عنصرية وعنفاً وطائفية.

قارن النقاد بنيتها الإخراجية بالنفس التسجيلي لـ«الواقعية الإيرانية» التي أسس لها عباس كياروستامي


بداية هذه الرحلة الشيقة والشاقة، في آن، انطلقت من المشاهد الفاقعة لجلسة المحكمة التي يتقدم خلالها الطفل «زين» بشكوى ضد والديه، معيباً عليهما أنهما أنجباه من دون أن يكونا مؤهلين لمنحه الحب والرعاية اللتين يستحقهما، مطالباً المحكمة بإصدار قرار بمنعهما من الإنجاب مجدداً. جلسة اتخذ منها الفيلم خيطاً أحمر تفرعت عنه وتشابكت من حوله، عبر سلسلة من الفلاشباكات المتداخلة، حكايات متشعبة عن الواقع المزري للفئات المهمشة في لبنان، سواء منها فئات المعدمين من أبناء البلد أنفسهم، أي «مكتومي القيد» المحرومين من الصحة والتعليم ومن أبسط مقومات الحياة الكريمة، أو خادمات البيوت اللواتي يواجهن مختلف أشكال الإجحاف والعنف والاعتداء، وصولاً إلى اللاجئين السوريين الذين تختزل أوضاعهم البائسة كل العيوب المزمنة للشخصية اللبنانية، من نزعات طائفية وإقطاعية وتسلطية.
هذه التيمات المتداخلة جعلت من الفيلم، عن جدارة، «صوت الذين لا صوت لهم»، كما قالت المخرجة خلال استلامها جائزة لجنة التحكيم في «كان». من هذا المنظور، لم يكن مفاجئاً أن تقوم صحيفة عريقة مثل «لوموند» بمقارنة «كفرناحوم» برائعة فيكتور هوغو «البؤساء». مقارنة قد تبدو مبالغاً فيها. لكن أوجه شبه عدة تجمع، بالفعل، بين «زين» نادين لبكي و«غافروش» فيكتور هوغو. وبالأخص في المشاهد المطوّلة التي يصطحب فيها «زين» الرضيع الأثيوبي «جوناس» بحثاً عن أمه المختفية «رحيل»، ساعياً للاعتناء به وحمايته، على رغم أن «زين» نفسه مراهق في سن الثانية عشر يحتاج لمن يعيله ويحميه من براثن حياة الشوارع. مشاهد تذكّر ببعض الفصول الأكثر تأثيراً في «البؤساء»، حين يقوم «غافروش»، وهو مراهق مشرّد في عمر «زين»، بتبني طفلين أصغر منه سناً، ساعياً للاعتناء بهما وحمايتهما، في خضم الـ«كفرناحوم» الدموي الباريسي الذي واكب انتفاضة الجمهوريين ضد الملك لوي فيليب، عام 1832.

* كفرناحوم: 20:00 مساء اليوم ــــ «سينما سيتي» (أسواق بيروت)