يتناقل الموظفون في «دار الصيّاد» (قرابة 80 موظفاً موزّعين بين تقنيين وصحافيين)، خبراً بأنّ الدار التي تأسست عام 1954 ستقفل أبوابها خلال أيام. الخبر انتشر بين العاملين بشكل سريع، من دون أن يؤكّده آل فريحة (إلهام وعصام وبسام فريحة)، القائمون على الدار التي أسسها والدهم الكاتب الراحل سعيد فريحة. حتى إن إدارة «الصيّاد» التي تضمّ صحيفة «الأنوار» ومجموعة مجلات هي: «الصياد» و«الشبكة» و«فيروز» و«الفارس» و«الدفاع العربي»، لم توزّع رسالة إلكترونية للموظفين تنفي فيها الخبر أو تؤكّده.

مبنى «دار الصيّاد» في الحازمية

هذه الدوّامة التي يعيشها الصحافيون في «الصيّاد» حالياً، تشبه الحالة التي سبق أن عاشها مصروفو الوسائل الإعلامية التي أغلقت أبوابها في الآونة الأخيرة، آخرها مكتب «دار الحياة» السعودية في بيروت (تضم مجلة «لها» وجريدة «الحياة»). مناخ من التوتر يسيطر على كواليس الدار التي تتخذ من منطقة الحازمية مركزاً لها، ولا جواب يشفي غليل الموظفين الذين لا يزالون يمارسون عملهم بشكل شبه طبيعي. حتى إن بعضهم لا يصدّق خبر الإقفال ويصنّفه ضمن «الشائعة»، لأن الإعلانات لا تزال تتابع طريقها إلى المطبوعات، حتى إن بعض الملصقات الإعلانية طبعت وأصبحت جاهزة للتوزيع. كما يتمّ العمل على توزيع خطط الأعداد المقبلة. لكنّ أمراً ما طرأ قبل ساعات أدّى إلى قلب المعادلة، وهي عدم إرسال عدد مجلة «الشبكة» الشهيرة إلى الطباعة للصدور في الأسواق، مع العلم بأن موادها التحريرية جاهزة وتنتظر فقط صفّارة الطباعة. هذه الخطوة أدّت إلى طرح تساؤلات عدّة، أبرزها: هل بدأ العدّ العكسي لإغلاق «دار الصيّاد»، وخصوصاً أنه يحكى أن عدد صحيفة «الأنوار» غداً السبت سيكون الأخير في رحلتها التي تأسست عام 1959؟ مع العلم بأنه بعد الجريدة اليومية، سيأتي الدور على مجلات الدار أيضاً. يصف بعض العاملين الخبر «بأنه مؤسف وحزين لأن للدار مكانة تاريخية مهمّة في الذكرة الإعلامية اللبنانية وخرّجت أجيالاً من الصحافيين، وهي أشبه بـ«إمبراطورية»». لكن حالة تكتّم تسيطر على كواليس دار «الصيّاد»، وخاصة أن الصحافيين لم يتبلغوا شيئاً، لكنْ هناك كلام عن زيارات متكررة لآل فريحة لوزارة العمل لتصفية الحسابات. في اتصال لـ«الأخبار» مع رئيس تحرير «الأنوار» رفيق خوري، يلفت إلى أن «القائمين على الدار هم وحدهم المخوّلون الكلام عن إغلاق الصحيفة».

سعيد فريحة وحسن الجاك ولفيف من الناس يستقبلون أم كلثوم في مطار بيروت

ويضيف: «لا أستطيع قول شيء، لأنني لم أتبلّغ من الإدارة شيئاً». من جانبه، يكتفي مدير تحرير «الأنوار» فؤاد دعبول بالقول: «الشغل ماشي بالجريدة!». في هذا الإطار، يشير مصدر لـ«الأخبار» إلى أن الدار لم تحدّد بعد موعداً محدداً وثابتاً لإغلاق العدد الورقي، لكنها ستتخذ هذه الخطوة في القريب العاجل. ويوضح أن الإقفال سيكون تدريجياً خلال الأيام المقبلة، على أن تكون النهاية وقف جميع الأعداد الورقية. في المقابل، يلفت المصدر إلى أن القائمين على «الصياد» سيتجهون نحو العمل الإلكتروني للتعويض عن الغياب الورقي. وهنا، يرفض القول بأنّ الخلافات العائلية بين آل فريحة وراء هذا القرار، عازياً الإقفال إلى تراجع سوق الإعلانات في العالم العربي، ما أجبر القائمين على الدار على اتخاذ هذه الخطوة، على أن ينال الموظفون كامل حقوقهم فور الإغلاق، وسيجري الاتفاق مع الإدارة على دفع مستحقاتهم في الأيام المقبلة. على الضفة نفسها، يلفت أحد العاملين في الدار، رافضاً الكشف عن اسمه، إلى أن العمل في الدار «شبه طبيعي»، ولا تزال مكاتب الدار في لندن والإمارات ومصر تتابع عملها بشكل عادي بالتواصل مع مكتب بيروت.
تراجع سوق الإعلانات في العالم العربي، والظروف الاقتصادية الصعبة وغياب الدعم الرسمي

حتى إن هناك كلاماً عن أن بعض الجهات السياسية تدرس إمكانية استمرار «الأنوار» ورقياً، وتزويدها بالدعم المادي، لكن الخبر سيتأكّد لاحقاً. من جانبه، يشير أنطوان خوري مدير مكتب إلهام فريحة لـ«الأخبار» إلى أن قرار الإغلاق يعود لأسباب عدة، منها: الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمرّ بها لبنان والعالم العربي. كما أن الدولة اللبنانية لا تدعم هذا القطاع، وسط شحّ لا مثيل له في الإعلانات. لذلك قررت «الصياد» إقفال العدد الورقي نهائياً والتركيز على الموقع الإلكتروني. ويختم خوري قوله بأن «دار «الصياد» كبرت، ولا يوجد عنصر شبابي يكمل الرسالة».



طلال سلمان: تجربة انتهت مع سعيد فريحة
في لقاء مع الكاتب والصحافي طلال سلمان، يسرد تجربته في «دار الصيّاد» وعلاقته مع سعيد فريحة. يعود مؤسس جريدة «السفير» (أقفلت أبوابها عام 2016) بالذاكرة إلى الوراء، ويقلّب صفحات عمله في مجلة «الصيّاد» التي تأسست في بدايات الأربعينيات من القرن الماضي. يقول: «في عام 1963 دخلت إلى «الصيّاد»، وكنت يومها عائداً من الكويت حيث أسست مجلة هناك. عملت في المجلة نحو 10 سنوات غير متواصلة، بسبب تنقّلي بين وسائل الإعلام. لكن لا أحد ينسى سعيد فريحة. كان رجلاً عروبياً ذا علاقات وطيدة مع مختلف الدول العربية». يتابع سلمان كلامه عن فريحة، قائلاً «تعرّف الراحل إلى الرئيس الراحل رياض الصلح، وأعجب به، واعتبره نموذجاً وطنياً. أصدر فريحة مجلة «الصيّاد» في الأربعينيات وإعتبرها بمثابة مجلة الاستقلال. لاحقاً، أصدر مجلة «الشبكة» لأنه كان يهوى الفنّ. لقد كان هوسه الأساسي هو الفنّ، وفي مكتبه، كان النجوم العرب يحضرون بشكل دائم، وأبرزهم الراحلتان: صباح وأم كلثوم. لقد حقّق فريحة إنجازاً تاريخياً بتأسيسه داراً عريقة. هذا الإنجاز كان مرتبطاً إلى حدّ كبير بقدراته وعلاقاته مع الطقم السياسي». لكن ما رأيه بإقفال «دار الصيّاد» اليوم؟ يجيب: «برأيي إن «دار الصيّاد» ماتت عند وفاة سعيد. هناك بعض المؤسسات التي تقوم على المؤسّس نفسه وتموت مع رحيله».