صرْحٌ إعلامي جديد يتهاوى في بيروت. ما يزيد من قتامة المشهد، ومرارة الأسئلة المتعلّقة بالمستقبل. نفكّر هنا في «مستقبل» البلد الذي طالما عُرف بصحافته الحرّة وتماهى معها. بقدر ما نفكّر في «مستقبل» الصحافة نفسها التي طالما كان لبنان معقلاً من معاقلها، وبؤرة من بؤر نهضتها. الصحافة اللبنانية التي تترنّح اليوم، لن تنهار وحدها ـــ بذريعة أن «التطوّر» التقني جرفها، كما يخيّل لبعض المحاضرين في الزمن الافتراضي ممن لا يرون إلا قشرته الخارجيّة ـــ بل ستأخذ معها النهضة الفكريّة والثقافية والفنية، والازدهار والتعددية والحياة الديموقراطيّة. صحيح أن للديموقراطية اللبنانية علاتها التي نعرف جيّداً، لكنّ هذه «الديموقراطيّة» وقفت وراء صعود الصحافة، وعصرها الذهبي، وتقف اليوم وراء انهيارها. إن هذا المصير التراجيدي الذي نواجهه، هو نتيجة حتميّة لانهيار المؤسسات، وتراجع الحياة السياسيّة إلى حلبة صراع جاهليّة ضيّقة، وانقراض المشاريع الفكرية والسياسية الكبرى، وفقدان البوصلة، وانفضاض القرّاء. ونشير أيضاً إلى استقالة معظم أهل المهنة إذ توقّفوا عن الابتكار والاجتهاد والتطور وطرح الأسئلة والنقد وتجديد الأشكال والمضامين. حتى «شطارة» أيام زمان التي قامت عليها النهضة الصحافيّة اللبنانيّة، بشكل أساسي، تجرّدت من أناقتها ورونقها، وفقدت ذرائعها الوطنيّة والقوميّة، ودوافعها الفكريّة، ولم يعد يشفع لها الشغف المهني وإقبال الجماهير، فبدت أكثر فأكثر ارتزاقاً سافراً… بل أكثر من ذلك، باتت في السنوات الأخيرة، على مستوى الأفراد والمؤسسات، تسوّلاً بائساً يثير الشفقة والغضب.

ربّ قائل إننا نبالغ في رثاء مؤسسة محتضرة من زمن ليس بالقريب («الأخبار»، 2 آذار/ مارس 2013). ربّ سائل باستغراب: أما زالت تصدر جريدة «الأنوار» أصلاً؟ وماذا عن المجلات والدوريّات التي لم تعد تحتل مكانها في قلب المشهد؟ صحيح أننا لا نشعر بهيبة الموت فعلاً، إلا لحظة اقتحامه حياتنا، ولا يتكرّس الحداد إلا بالإعلان الرسمي عن الغياب. الآن، حين بلَغَنا أن المؤسسة العريقة التي أسّسها سعيد فريحة قبل 75 عاماً، ستوقف إصداراتها، وتغلق أبوابها، انتبهنا إلى حجم الخسارة، وهول الفراغ الذي ستتركه. نسينا مرحلة الانهيار البطيء، ووقائع الموت المعلن في السنوات الأخيرة. إننا نرثي هنا عصراً وزمناً ومدينة ومهنة وصناعة. أسماء وأقلام وأعلام ومقالات وزوايا وقواميس الحياة اليوميّة وإبداعات وتجارب وأغلفة ومانشيتات، شكّلت فصولاً أساسيّة في السجل الذهبي للصحافة اللبنانيّة. «دار الصيّاد» التي صارت اسم مستديرة شهيرة في الحازميّة، جزء من ذاكرتنا الوطنيّة، ومن الذاكرة الفنيّة والسياسية العربية. حكاية مغامرة فريدة أطلقها رجل عصامي كان مولعاً بالفن والفنانين. كم من الحقبات واكبتها هذه المطبوعات، كم من الأسماء والأساطير صنعتها؟ فوق صفحات «الصياد» أطلق سعيد فريحة ونجيب حنكش حزب «الفيروزيين»، كان ذلك في العام 1953 والمغامرة الرحبانية تعرف بدايات صعودها. وفي العصر الذهبي احتضنت صفحات «الأنوار» أقلاماً عربيّة بارزة، وسجالات وقضايا ما زالت راهنة إلى اليوم. وما زال فنّانون كثر، ينعمون في هذه الدنيا أو في الآخرة، بالألقاب التي أطلقها عليهم جورج إبراهيم الخوري رئيس تحرير «الشبكة»…
صرْحٌ إعلامي جديد يتهاوى في بيروت. رغم كل شيء يصعب أن نقبل بانطفاء الأضواء في مكاتب «دار الصياد»، وتوقّف مطابعها عن الدوران. يصعب أن نتخيّل النهاية. أن نعترف بانتهاء حقبة، تركت بصماتها على أجيال متعاقبة. بعد فترة قصيرة لن يعود أحد يذكر «المستديرة» الشهيرة التي أزيلت أصلاً، ولا ذاك التاريخ الصاخب الرابض خلف جدران المبنى العتيد الذي احتلّه منذ سنوات أحد المصارف، فيما انتقلت مؤسسة آل فريحة إلى مبنى أصغر في الجوار. لكن هل نحن نمشي في جنازتنا حقّاً؟ هل هو الموت المحتوم لمهنة الصحافة، بعد انتحار «السفير»، والولادة المجهضة لـ «الاتحاد»، والخواء الذي ينخر «النهار»، وإغلاق صحف عدّة عربية ولبنانية، أو انسحابها إلى العالم الإلكتروني بحجّة القفز (المزعوم) إلى المستقبل؟ أم أنها نهاية نمط معيّن من صناعة الصحافة وإنتاجها؟ ما زال بيننا من يؤمن بضرورة الجريدة الورقية ومكانتها ودورها، شرط أن تعيد النظر جذريّاً يشكلها ومضمونها وعلاقتها التكامليّة بالعالم الافتراضي، وتعيد النظر بأدواتها وطريقة صناعتها وأدوات إنتاجها. شرط أن تستعيد ثقة القرّاء وتعيد خلق جمهورها الذي يتقلّص كل عام، لأنّ الناس لم تعد تجد نفسها في ما يُنشر، وليس فقط لأنّها هاجرت إلى الإنترنت. الصحافة كانت وستبقى منبراً في قلب الحاضرة، مشروعاً يقدّم المحتوى، ويقوم على مبادئ وخيارات وأساليب، ويحمل التنوير ويحرّض على التفكير والتذوق، ويحتضن الجدل… لبنان في حاجة إلى إعلامه التعددي، الذي ينشر المسكوت عنه ويدعو إلى الوعي والاكتشاف والتفاعل، بدلاً من ممارسة التضليل والتزوير والمديح والعلاقات العامة، واجترار القوالب والكلمات والشعارات التي تعود إلى الماضي التليد.
وهذه الولادة الجديدة التي ندعو إليها ونؤمن بها، تتطلّب جيلاً جديداً من الناشرين لا يرهن نفسه لهذا النظام أو ذاك، لهذا الزعيم أو ذاك. الأنظمة الغارقة في أزماتها وحروبها، مكتفية بإعلامها، تشتري بضعة صحافيين بدلاً من تمويل مؤسسات. لقد شحّت مصادر التمويل السياسي أو ضمرت، وأثبتت أنّها عقيمة، تثري الناشرين فقط، ولا تولّد نهضة وصناعة مستدامة. أثبتت أنّها تنتج طفرة ولا تصنع نهضة أو تنمية مستدامة. ولا شك في أن الدولة تضطلع بدور أساسي في إنقاذ هذا القطاع الهش، وضمان استقلاليته. كما يحتاج أهل المهنة إلى إطار نقابي جديد لا يشبه النظام السياسي، يحمي حريتهم وحقوقهم، وينظّم علاقات العمل، ويعطي الشرعية، ويحمي القواعد المهنيّة والأصول والمواثيق الأخلاقية. هذه الولادة تتطلّب جيلاً جديداً من الصحافيين الذين يملكون سرديّة مختلفة، ويعبرون عن أنفسهم بمفردات (لغوية وبصرية) أخرى، وينظرون إلى الواقع بحساسيات مغايرة، ويستندون إلى تقنيات متعددة. ويصنعون صحافة تنقد الحكام، ولا تلعب دور مهرّج البلاط وموظف العلاقات العامة والترويج. صحافة رأي واستقصاء ومعارف فكرية وعلمية، ومتعة وفرح وحلم، وثقافات بديلة وتقنيات عصريّة. عندها سنرى كيف يعود القرّاء. إن انبعاث الصحافة اللبنانية مسؤوليّة مشتركة… لئلا نصطف اليوم من جهتي الموكب الجنائزي ونعزّي زملاءنا وزميلاتنا في «دار الصياد» قائلين: أنتم السابقون…