رحل أزنافور. رحل عميد الأغنية الفرنسية. رحل الملك، عاشت أغانيه. إنّه القدر وحتمية الموت. بعد الآن، العالم بات بلا شارل أزنافور بعدما عاش فيه 94 سنة. لا يوجد في فرنسا ولا حتى في أوروبا وربما العالم أشهر من هذا الرجل في مجال الأغنية الشعبية الراقية، نصّاً وموسيقى، والمذهَّبة أداءً وحنكة في المغنى. إنّه آخر العمالقة من جيل ما بين الحربَين العالميّتَين. انتقل الشيخ الجليل لملاقاة داليدا وبربارا وجيلبير بيكو وسيرج ريجياني وإيف مونتان، وحبيبَي قلبه إيديث بياف وشارل ترينيه، وغيرهم أيضاً من الجيل اللاحق الذي رحل معظم رموزه قبل الأيقونة التي طبعت القرن العشرين ومطلع الحادي والعشرين بمئات الأغاني وآلاف الحفلات الحية والجولات التي خبِر خلالها جغرافيا الكرة الأرضية من أقصاها إلى أقصاها، وصولاً إلى الأراضي المقدّسة وسقطته «الإسرائيلية» التي لا تغتَفَر والتي نذكّر بها، حتى في رثائه، لتوجيه رسالة إلى الأحياء كي يدوسوا على رقبة الإسرائيلي، على غرار الشريف رودجر ووترز، بدلاً من الغناء فوق جثث أطفال فلسطين.

ولد شارل أزنافور (أزنافوريان) لعائلة أرمنية هاربة من التطهير العرقي التركي إلى الولايات المتحدة الأميركية عبر فرنسا. شاء القدر أن تتأخر تأشيرة الرحيل من بلد موليير إلى أرض العم سام، فيتعذّر السفر بولادة شارل عام 1924. أحبّ أزنافور الفنون منذ صغره فترك الدراسة متفرغاً لشغفه في جوٍ عائلي محبّ للموسيقى والغناء والمسرح. صحيح أنّه انخرط باكراً في الفن، لكن انطلاقته الفعلية تأخّرت إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصةً أنّ الجمهور الفرنسي لم يتقبّله في أولى حفلاته.



أواسط الخمسينيات، أطلّ أزنافور بسلسلة أمسيات في «مولان روج»، الكاباريه الفرنسي العريق الذي فتح أمامه أبواب الشهرة التي لن توصد بعد الآن. فالرجل بقي متمتعاً بالهالة والجاذبية حتى آخر أيامه. فحفلاته في سنوات شيخوخته كانت تحصد نجاحاً ثابتاً، وقد شهدنا على إحداها السنة الماضية في لبنان الذي زاره أكثر من مرة.
لشارل أزنافور أكثر من ألف أغنية، معظمها بالفرنسية وبعضها بلغات أخرى (الأرمنية، الألمانية، الروسية، الإنكليزية، الإيطالية والإسبانية وحتى باللهجة القبائلية)، بالإضافة إلى أخرى لحّنها و/أو كتبها لزملائه من نجوم الصف الأول في الأغنية الفرنسية (والتي يقارب عددها الألف أغنية أيضاً). يُختَصَر غالباً وظلماً بـLa bohême، وهي تحفة من الطراز الخالد لا شك، لكن أزنافور أكبر من ذلك بكثير. فموسيقياً قدّم لفرنسا الشعبي الراقي والجميل ولم ينجرف بموجة هابطة، وما استورد من خارج اللون المحلي أو الأوروبي عموماً إلا ما يرتقي بالغناء الفرنسي، مثل الجاز الذي كان له معه تجربة خاصة (ألبوم Jazznavour عام 1998)، بخلاف بعض زملائه الذين استعاروا إما الصخب وإما النفَس الاستهلاكي (في النص والموسيقى) من أميركا. فالرجل كان فخوراً بمستوى الأغنية الفرنسية وبالأخص بالقيمة الشعرية التي تختزنها، إذ لم يكن يرى مجالاً للمقارنة بينها وبين النتاج الأنغلوساكسوني. غنّى الحب والأرض والتشرّد والقضايا الإنسانية ومعاناة الشعوب جرّاء الحروب والاضطهادات أو الكوارث الطبيعية، لكن إلى جانب الغناء، خاض أزنافور غمار التمثيل، فظهر في أدوار رئيسية أو ثانوية في أفلام باتت اليوم من كلاسيكيات السينما، على رأسها طبعاً Tirez sur le pianiste لأحد روّاد ما يسمّى بالـ«موجة الجديدة»، المعلّم الراحل فرانسوا تروفو. لكن آخر ظهور له في فيلم «أرارات» لم يكن موفّقاً لناحية الأداء.
تزوّج شارل أزنافور ثلاث مرّات وأنجب ستة أولاد، منهم «كاتيا» التي ترافقه أحياناً كمغنية كورس في حفلاته. أما سياسياً، فقد كان داعماً لليمين الوسط، وقد ساندهم في مواجهة الاشتراكيين، علماً بأنّه كان أيضاً مناهضاً شرساً لليمين المتطرّف في فرنسا، كما كان سفيراً فخرياً لأرمينيا في فرنسا، وسفيراً لها في الأمم المتحدة وفي سويسرا منذ عام 2002.