في معرضها الأوّل «محلّن»، تصوّر روان مازح حربي تمّوز وعناقيد الغضب بعد مرور عقود على انتهائهما. أرادت المصوّرة اللبنانية الشابّة أن تتجاوز التغطية الإعلامية للضحايا والمجازر والدمار. هكذا توثّق استمراريّة هذه الحرب في المساحات الطبيعيّة وأغراض ضحاياها، وفي ذاكرة من عاشوها.

يتضمّن المعرض في استديو «A+» (تابع لـغاليري «آرت لاب»)، لقطات بانوراميّة لمساحات وجبال في الجنوب اللبناني. قليلة هي الأعمال الفنيّة التي تناولت هذه المساحات المركّبة تاريخيّاً واجتماعياً وثقافياً في الجنوب. في زوايا المعرض، علّقت لقطتين للمشهد نفسه، يفصل بينهما بضع ثوان فقطٍ، مطبوعتين على قماش: واحدة تتصدّر الأخرى. في اللقطة الأولى، نرى مساحة طبيعيّة مجهولة، في حالتها العاديّة المكشوفة. حين نرفعها، سيظهر خلفها المشهد نفسه مع اختلاف بسيط هي كتل دخانية كثيفة.

من المعرض

طوال سنتين، رافقت مازح جمعيّة «أجيال السلام»، لتوثيق عمليات انتزاع الألغام والقنابل العنقوديّة في حولا، ووادي الحجير وعلما الشعب، والناقورة التي تشهد يومياً، كما القرى الجنوبيّة الأخرى تفجيرات لقنابل لا تقتصر على مخلّفات العدوان الإسرائيلي عام 2006، بل تتضمّن ألغاماً من حروب أخرى في عامي 1978 و1982، كما تقول روان. تنتشر هذه البقايا في الحقول والبساتين البعيدة، إلا أنها تصل إلى بعض الأحياء السكنيّة كما يظهر في بعض الصور، «إذ لطالما حصدت القنابل العنقودية عشرات الأرواح في السنوات الفائتة». على أرضيّة الغاليري توزّعت هياكل حديديّة لقنابل حقيقيّة متفجّرة يمكن للزائر أن يتعثّر بها رغم وجودها فوق الأرض، في دلالة إلى اللحظات الخاطفة التي يتمّ فيها هذا الموت. في قسم آخر من المعرض، انصرفت إلى استمراريّة الحرب في ما هو أكثر حميميّة. داخل خزانة مليئة بالأدراج، خبّأت صوراً وتسجيلات صوتية على راديوهات صغيرة، في محاكاة للأماكن التي يخبئ فيها الأهل والعائلات أغراض من رحلوا في الحرب. بحثت مازح عن عائلات شهداء وجرحى العدوان الإسرائيلي عام 2006، وعناقيد الغضب عام 1996. على الخلفيّات (شراشف أسرّة وطاولات...) نفسها التي وضع الأهل عليها الأغراض، صوّرت لقطات مقرّبة لفرشاة أسنان وثياب، وهويّة، ومحفظة، وشظايا لا تزال تخرج من جسد جريحة. ومن لم تترك القذائف شيئاً من منزله، جمع بعض الصور الصحافيّة للمجازر مثل مجزرة المنصوري وقانا في إطارات ذهبيّة.
رصد آثار الحروب الإسرائيليّة النفسية والمادية في المناطق اللبنانية

يتعامل الأهل مع هذه الأغراض بقداسة وسريّة، ويحمّلونها ثقلاً كبيراً كما لو أنها هي الراحلين بذاتهم. تخبرنا مازح أن البعض لم يسمح لها بأن تلمسها إطلاقاً. كان عليها أن تصوّرها فقط. تعي الشابة جيداً أن حروباً كهذه، تطمس الضحايا على حساب الجدالات السياسية خصوصاً مع الانقسام والتباعد بين المناطق في البلاد. لهذا حاولت تجنّب هذه التصوّرات النمطيّة قدر الإمكان بالتركيز على الأغراض بشكل أساسي دون الوجوه. رغم ذلك، التقطت بعض البورتريهات لمصابين وناجين مثل عباس أخ الطفلة زينب التي استشهدت في مجزرة قانا الثانية. في أحد التسجيلات، يخبر الصبي كيف وضع المسعفون جسده بين الشهداء، تحضيراً لدفنه ليكتشفوا لاحقاً أنه كان لا يزال حيّاً. يستطرد بالحديث عن أصدقائه الذين غابوا في المجزرة، وعن تلك الفترة التي يذكر تفاصيلها رغم أن عمره لم يكن قد تجاوز السنوات الأربع. قصص وذكريات مؤثرة كثيرة تسترجعها التسجيلات الصوتية التي وضعتها روان لتكمل الحكاية، بدلاً من أن تكتفي بالصور لقول كل هذا. بعد الانتهاء من معرضها الذي قدّمته كمشروع تخرّج في «جامعة اللويزة»، تنوي مازح استكمال توثيقها لآثار الحروب الإسرائيليّة النفسية والمادية في المناطق اللبنانية كافّة.

* «محلّن» لروان مازح: حتى 6 تشرين الأوّل (أكتوبر) ــ استديو «A+» (تابع لـغاليري «آرت لاب» ــ الجمّيزة/ بيروت). للاستعلام: 03/244577