ترميم البيوت والمحلّات التجارية في الحارات الضيّقة في صيدا القديمة، أو ما يُعرف بـ «قلب البلد»، مستمرّ منذ سنوات على يد «جمعية محمد زيدان للإنماء في صيدا». لكن إلى جانب تصدّع الحجر، يعاني أهل هذه المنطقة الطيّبون والبسطاء من تصدّعات على أصعدة عدّة، على رأسها الاقتصاد والمعيشة، ولا سيّما بفعل إهمال السلطات المتعاقبة.

انطلاقاً من هذا الواقع، وفي محاولة لتغييره، وإيماناً بأنّ إعادة تأهيل المباني يجب أن تترافق مع اشتغال حقيقي على قاطنيها من باب الفنّ والثقافة، أراد الموسيقي اللبناني إيلي برّاك إطلاق مشروع مخصّص لهذه الغاية.
على الرغم من غربة دامت 17 عاماً، عاد برّاك من بريطانيا إلى لبنان في عام 2005، وبقي مقتنعاً (كما شقيقه عازف الإيقاع الشهير روني برّاك) بأنّ في صيدا مواهب كثيرة يمكن استثمارها واكتشافها وصقلها: «فلا علاقة للمكان الذي يترعرع فيه المرء أو لحالته الاجتماعية والاقتصادية بإمكانية أن يكون فناناً أو مبدعاً»، يقول في حديث مع «الأخبار» بين قناطر «خوابي عبّود» المصنوعة من أحجار العقد. ويضيف: «تعرّفت إلى بدر زيدان، وأدركت أنّ لدينا توجّهات مشتركة في هذا الخصوص، وها نحن نحاول بلورة الموضوع وإنضاجه».
من «خوابي عبّود» في حيّ البعاصيري في صيدا، ستكون أولى الخطوات على طريق المشروع المتكامل.

من أحد مقاهي «قلب البلد» (هيثم الموسوي)

حفلة موسيقية مصغّرة تتسع لسبعين شخصاً ستقام غداً الأحد (الساعة السابعة والنصف مساءً)، وتجمع برّاك على البيانو مع سبعة عازفين آخرين، هم: علي جرادي (ساكسوفون)، إيلي نجيم (ترومبيت)، نضال أبو سمرا (ساكس)، ألبيرتو كاسابيان (دارمز)، إبراهيم جابر (إيقاع)، كارلوس أبو شبكة (باص)، وشانت باجاك (غيتار).
أما الريبيرتوار الذي يمتد على سبعين دقيقة، فيتركّز على المزج (fusion) بين أنماط موسيقية مختلفة (شرقي وكلاسيك وجاز وروك)، ويضم أعمالاً للأخوين رحباني، والموسيقي الإيطالي إنيو موريكوني، وبيتهوفن، والموسيقار المصري رياض السنباطي (لونغا رياض)، وAnother Brick in the Wall لفرقة «بينك فلويد» الأسطورية، فضلاً عن مختارات من تأليف برّاك. في هذا السياق، يوضح الأخير أنّ البرنامج سيقدّم هذه المقطوعات، لكن مع مفاجآت إلى جانب إدخال بعض التعديلات عليها.
إيلي الذي درس الموسيقى الكلاسيكية ويعزف الجاز ولديه خبرة كبيرة في الموسيقى الشرقية، يوضح أنّ سبب اختيار «خوابي عبّود»، أنّه مكان يعرفه جميع الصيداويين ولهم ذكريات معه: «أنا ابن صيدا وأعرف جيّداً قيمة هذا المكان بالنسبة إلى أبنائها».
قبل سبع سنوات، لم تكن «خوابي عبّود» سوى «معصرة عبّود» التي ذاع صيتها على امتداد البلاد خلال العقود الماضية. معصرة الزيتون التي كانت مقصودة بكثافة وكانت تصنع في أيّام عزّها قرابة سبعين طنّاً من الزيت يومياً.
ثلاثة أجيال تعاقبت على إدارتها بدءاً من الجدّ إبراهيم مروراً بالابن ألبير وصولاً إلى الحفيدة زهيّة وأحد أشقائها. غير أنّ تبدّل الأحوال، واختفاء البساتين لمصلحة الأبنية السكنية وغيرهما من العوامل أرغما زهيّة على إقفال المعصرة. لكنّ هذه المرأة المصرّة على السكن في صيدا بينما عائلتها في بيروت، تقول لنا إنّها لم ترد الاستسلام ولم توصد الأبواب نهائياً، بل استغلّت المكان لتطوير هوايتها في صناعة الصابون، لتتحوّل المعصرة إلى محترف ينتج صابوناً طبيعياً مئة في المئة. مع العلم بأنّ زهية لم تتخلّ عن «الشغل بالزيت» لأنّه «يمشي في دمي… صحيح أنّني حزت إجازة في الكيمياء من «الجامعة الأميركية في بيروت»، لكنّني عملت مع والدي هنا لمدّة 27 سنة».

(هيثم الموسوي)

إذاً، الانطلاقة ستكون من حفلة الغد التي سيتخلّلها الكثير من الارتجال، على أن تتبعها حفلات أخرى في معالم مختلفة من المدينة. هكذا، سيتعرّف الصيداويون والجيران إلى ما يحاول برّاك ورفاقه فعله، قبل أن يستكملوه خلال أشهر بتأسيس أكاديمية موسيقى ومسرح تتوجّه للطلّاب الراغبين في الالتحاق بها كهواية مقابل أسعار مدروسة، وإلى أولاد العائلات الفقيرة في صيدا القديمة (لبنانيين وفلسطينيين) الذين سيتعلّمون مجاناً وقد يحوّلون مواهبهم إلى مصدر رزق في المستقبل.
هذا ما يؤكده برّاك، لافتاً إلى أنّ الهدف هو نشر الثقافة، و«إعادة صيدا إلى ما كانت عليه قبل أربعين أو خمسين عاماً… بدنا نساعد بعض ونغيّر الواقع، وبدنا الكل يشتغل».