من اسم إشبيلية عاصمة الأندلس وعمقها التاريخي والثقافي والحضاري، استوحى رجل الأعمال اللبناني عدنان الزيباوي اسم السينما التي أسّسها في صيدا في عام 1979، وتحوّلت على مدى سنوات إلى جزء أساسي من ذاكرة الصيداويين والجنوبيين، من مختلف الأعمار والتوجّهات والخلفيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. حتى إنّها كانت بالنسبة إلى مجموعة كبيرة منهم ملجأ حاولوا الاحتماء به من نيران الحرب الأهلية والصواريخ الإسرائيلية، فيما كانت تتخذ منها الأحزاب اليسارية في الثمانينيات مساحة لعرض ومناقشة الأفلام.

الزيباوي الذي كان رئيساً لـ «منظمة العمل الشيوعي» في الجنوب ثم وقف لاحقاً في الصفّ السياسي مع رفيق الصبا رفيق الحريري، أسّس في 1975 سينما «غرانادا» في شارع رياض الصلح (البوّابة الفوقة)، قبل أن يغريه نجاحها لافتتاح سينما أخرى يُطلق عليها اسم «إشبيلية»، في شارع بات يحمل اليوم اسم حسام الدين الحريري، ستتحوّل إلى واحدة من أهم دور السينما في صيدا في الثمانينيات وصولاً إلى التسعينيات. كانت «إشبيلية» تعرض فيلماً عربياً كلّ أسبوع، يليه آخر أجنبي في الأسبوع التالي، بالإضافة إلى مسرحيات لفرقة «السنابل» مثلاً، وعروض للمايسترو سليم سحّاب، و(الطفلة) ريما خشيش، وأحمد قعبور، وآخرين.

مسرح وسينما «إشبيلية»

«إشبيلية» و«غراناد» و«أمبير» و«روكسي»، و«كابيتول» و«ريفولي» و«الحمرا» و«هيلتون» و«شهرزاد»، سينمات حفرت مكانتها في ذاكرة الصيداويين والجنوبيين، غير أنّها وعلى الرغم من محاولاتها الحثيثة للاستمرار، لم تلبث أن انطفأت بفعل تحوّلات اقتصادية وسياسية واجتماعية مختلفة طرأت على «بوّابة الجنوب»، لتحلّ مكانها السينمات التجارية الشهيرة التي وصلت إليها مع افتتاج المجمّعات التجارية. دور كانت تُخرج العائلات من بيوتها ليلاً ونهاراً لدعم حركة ثقافية ساهمت في تنامي الحركة السياسية والمطلبية، لا سيّما بعد التصاق صيدا بالقضية الفلسطينية، وانطلاق شرارة الثورة التي قادها الشهيد معروف سعد.

انطلاقة جديدة
اليوم، وبعد حوالى عقد من الإقفال، عادت «إشبيلية» لتفتح أبوابها مرتدية حلّة جديدة. لم يعد هذا المكان سينما تجارية، بل صار سينما ومسرحاً يحتضنان عروضاً مستقلة وبديلة كل يوم جمعة عند الساعة السابعة والنصف مساءً (مع أسعار بطاقات ثابتة ومحدّدة بثمانية آلاف ليرة لبنانية).
هذا ليس كلّ شيء، لأنّ «إشبيلية» تحاول اليوم إثبات نفسها كـ «أوّل فضاء فنّي وثقافي مستقلّ في صيدا»، وتعمل في سبيل «تكريس لا مركزية الثقافة وتنوّع أشكالها من خلال تقديم أنماط مختلفة من الفنون المعاصرة»، انطلاقاً من أنّ صيدا «عطشى جداً». هذه باختصار الرؤية الأساسية لابنتي عدنان الزيباوي، هبة ونهلا، عرّابتَيْ المشروع الوليد.
«انطلاقاً من حاجة شخصية لمنفذ أو فضاء ثقافي معاصر يعمل بشكل مستمرّ، خصوصاً أنّنا لطالما اضطررنا في السنوات السابقة للذهاب إلى بيروت لأسخف الأمور، بدأت الفكرة قبل أربعة أعوام»، تقول هبة التي درست فنون التواصل في «الجامعة اللبنانية الأميركية». خلال جولة في أرجاء المكان العابق بالنوستالجيا، تُخبرنا الشابة أنّ أي تغييرات لم تطرأ على السينما والمسرح باستثناء بعض التعديلات التقنية البسيطة، فهما لا يزالان في حالة ممتازة على الرغم من مرور كلّ هذه السنوات. أما المساحة الصالحة لإقامة معارض وورش العمل واجتماعات وتدريبات وندوات أو للدراسة والعمل وغيرها، فبُنيت حديثاً «على نفقتنا الخاصة خلال فترة سنة ونصف السنة»، من دون أن ننسى المقهى الصغير طبعاً.
هنا، تشير نهلا الحاصلة على ماجستير في الـ Market Research (بحث السوق) من إحدى جامعات إسبانيا إلى أنّ «لا تفسيرات واضحة لافتقار ثالث أكبر مدينة لبنانية إلى الفضاءات الثقافية من هذا القبيل. وهذا غير مقبول لأنّها غنية بالإمكانات والقدرات، فضلاً عن تاريخها وحضارتها وموقعها الجغرافي… كلّما حاولت التنفّس، يطرأ تطوّر ما يعيدها إلى الوراء».
شكّلت السينما التي افتتحت في 1979 جزءاً من ذاكرة الصيداويين


تشدّد نهلا على أنّها وشقيقتها تدركان أنّ «مشروعنا مغامرة وأمامه تحديات جمّة… نحن واعيتان لها وجاهزتان. نجاح التجربة وتطوّرها هما تحدٍّ للمدينة. نحن نتوجّه إلى أهل صيدا والمحيط والجنوب… وإلى الفنانين الراغبين في التواصل مع جمهور خارج بيروت». تتدخّل هبة لتقول عبارة مقتضبة تختصر «إشبيلية» اليوم: «إنّه فضاء من صيدا إلى كل لبنان»، مشيرة إلى أنّه «لذلك يستحق من الصيداويين والجنوبيين واللبنانيين عموماً أن يشاركونا هذه الرحلة… فمن المستحيل أن تنجح وتتفعّل من دونهم».

تنظيم وتخطّي العقبات
في سبيل تنظيم المشروع وضمان استمراريّته، ترافقت الانطلاقة الجديدة في 14 أيلول (سبتمبر) الماضي مع تأسيس جمعية «فنون إشبيلية» غير الربحية. «اعتبرنا أنّ مأسسة المشروع ضرورية»، تقول هبة قبل أن تضيف: «تهدف هذه الجمعة إلى نشر اللامركزية الثقافية ودعم الفنانين المستقلين في لبنان، والتنقيب عن المواهب الدفينة ودعمها، على أمل النجاح كذلك في استقدام أعمال وأسماء من خارج لبنان. لذلك حاولنا أن يكون المكان متكاملاً… ومع الوقت سنكتشف ما الذي يحتاج إليه شباب المدينة الذين سيتعرّفون إلى أشخاص يملكون اهتمامات مشابهة». وفي ما يتعلّق بالمعضلات الاقتصادية التي تعترض عادةً طريق المشاريع المستقلّة في لبنان، تتحدّث هبة عن السعي إلى «خلق مجتمع صغير تصبح «إشبيلية» جزءاً من حيوات أفراده. فنحن لا نريد الاعتماد حصراً على المنح والتمويل للاستمرارية». على صعيد الاستمرارية، تتطرّق الشابة البالغة 25 عاماً إلى شراكة أجريت مع استديوات MAD Solutions وأسهمت في تحديد برنامج العروض السينمائية لغاية نهاية شهر كانون الثاني (يناير) 2019، مشدّدة على أهمية التواصل مع الفنانين.
بداية الأنشطة كانت مع العرض المسرحي «تاء ساكنة» (45 د ــ إنتاج «نون للإبداع» بدعم من «المورد الثقافي» وبالشراكة مع Astharté) لندى ثابت، تلاه تكريم المخرجة اللبنانية الراحلة نبيهة لطفي عبر عرض وثائقي «نبيهة لطفي ــ العدسة العربية» (2005) لإليان الراهب، قبل أن يحين أمس الجمعة موعد فيلم «ربيع» (105 د ــ إخراج فاتشيه بولغورجيان). وفي 12 تشرين الأوّل (أكتوبر) الحالي، يتحضّر «إشبيلية» لاستضافة فيلم «من السماء» (70 د ــ إخراج وسام شرف)، ليوقّع أحمد قعبور في اليوم التالي ألبومه «لمّا تغيبي». لا شكّ في أنّ المشروع مغامرة حقيقية، لكن يبدو أنّ لدى القائمتَيْن عليه الكثير من الأمل في نجاحه، وسط رهان كبير على الشباب.