ما يتوقعه المشاهد من ضغط أحداث ثلاث سنوات في فيلم يقلّ عن ساعتين، هو ألا يشعر بلحظة ملل، بل أن يلهث مع الأحداث. لكن العكس حصل مع المشاهدين المصريين الذين تسابقوا لرؤية «أول فيلم مصري مرشّح للأوسكار»، أي يصل رسمياً إلى الترشيحات الخمسة النهائية ضمن فئة الوثائقي الطويل. وسرعان ما انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي نسخ ناقصة ومكتملة من فيلم «الميدان» للمخرجة جيهان نجيم (1974). في الساعات القليلة بعد «خبر الأوسكار»، شوهد الشريط بكثافة، وبالكثير من الغضب والجدل، والملل أيضاً.


لكن ينبغي هنا الأخذ في الحسبان أنّ المشاهد المصري يرى عملاً قد تشبّع هو نفسه به، مشاركةً أو جدلاً أو حتى عبر مقاطع الفيديو على يوتيوب. يمكن كل مشاهد مرّ بالتحرير أن يضيف إلى الفيلم تفاصيله الخاصة ويكمل نواقصه، وهذا ليس وضعاً جيداً للاستمتاع بأي عمل، ولا سيّما إذا كان وثائقياً لا مكان فيه للخيال.
من هنا يمكن فهم الحفاوة الغربية (جائزة في «مهرجان تورنتو» ثم ترشيح الأوسكار)، من زاوية تذكّر بعبارة شهيرة للمؤلف وحيد حامد على لسان عادل إمام في فيلم «طيور الظلام»: «البلد دي اللي يشوفها من فوق، غير اللي يشوفها من تحت». وكذلك الحال في «الميدان» بالنسبة إلى المشاهد الغربي/ العالمي: إنّه الانتقال من مظهر «ميدان التحرير الشهير» من «فوق» من زاوية «عين الطائر» الشهيرة، إلى «التحرير «من تحت». الانتقال من المشهد المزدحم المليوني الهائل، إلى تفاصيل وجوه البشر، وأصواتهم ومناماتهم، على أرصفة الميدان وبين خيمه.
ثلاث شخصيات رئيسية يتتبعها الفيلم. أحمد حسن الشاب البسيط الذي يحكي طفولته الصعبة (اشتغلت وأنا في خامسة ابتدائي، كنت بابيع ليمون) وصولاً إلى اعتصامه في «التحرير»، وخالد عبد الله (ممثل مصري بريطاني، من أهم أدواره بطولة فيلم مارك فورستر «عداء الطائرة الورقية») وقد عاد إلى «الميدان» ليشارك في الثورة. وبالقرب منه مجدي عاشور، عضو الإخوان المسلمين (ماكنتش أصدق إني أقف مع الناس دي في مكان واحد).
يُلاحظ بالطبع أنّ الشخصيات الرئيسية جميعها رجال، يضاف إليهم المطرب رامي عصام، وأخيراً تظهر السينمائية الشابة عايدة الكاشف. ثمة وجوه نسائية أخرى تظهر بالتتابع، أهمها سلمى سعيد، راجية عمران، وبثينة كامل، لكنه يبقى ظهوراً خجولاً لا يؤثر في البطولة الرجالية. ربما لا تظهر الأنثى في مشهد مؤثر حقاً، إلا حين تبكي الفتاة ابنة مجدي عاشور أمام الاتهامات التي تواجه أباها بأنّه «تغيّر وخان الثورة» بعد وصول محمد مرسي إلى الحكم.
القصة، كما هو معروف، قصة الثورة، منذ الاعتصام ضد مبارك، إلى فضّ اعتصام «رابعة العدوية» وسقوط مئات القتلى. لا نرى «الفضّ الأخير» في الفيلم. لكننا نقرأ على الشاشة السوداء أن مجدي عاشور الذي نزل مع «إخوانه» الاعتصام، كان ممن جرى إخلاؤهم بالقوة. نستمع إلى مجدي ذاهباً إلى «رابعة»، مؤكداً أنه يفضل الموت على السجن.
ليس تكرار اسم مجدي وظهوره عبثياً هنا، ولا مؤامرة تعاطف سينمائية، بل بدت شخصية الإخواني أقوى حضوراً لأنها ابنة تجربة من لحم ودم، سجون واعتقال في الفجر وعمل سري وأسرة وأبناء، بينما بدا الشاب الثائر في الفيلم (وهذا دافع آخر لشعور الملل) مسطّحاً، لا تتغير نبرة صوته ولا كلماته طوال السنوات الثلاث، أيبدو بسيطاً أم ضحلاً؟ أم أن تلك كانت حال الثورة المحبوسة في ميدانها؟ منقطعة عن الوطن، عن العالم، تحدث نفسها، وتردد كلمات: الثورة/ الخيانة/ العسكر/ الحرية، بتكرار لانهائي؟ أم أنّ ذلك كان انعكاساً لرؤية المخرجة ووعيها؟ نلاحظ أنها اختارت أن تنهي الفيلم بهذه العبارة للثائر (البسيط) «احنا مش عايزين قائد، احنا عايزين نخلق ضمير». أيمكن تصوّر عبارة أشد سطحية؟
كانت كاميرا مخرجة الميدان هناك في الميدان طوال تلك السنوات، وقد سجّلت بالفعل تتابعاً كثيفاً للأحداث، من الفرحة إلى الدم، مروراً بالخلاف والشقاق والاقتحامات والفض المتكرر والموت المتنوع. يبدو ذلك جهداً مهماً لمن لم يعشه، لكنها إذ نزلت، من الزاوية الرأسية إلى الرؤية الأفقية، وحاولت نقل الميدان من خلال الشخصيات، فإنّها لم تحقق النجاح نفسه. لكنها في نهائيات «الأوسكار» على أي حال، وهو شيء طيب للسينما المصرية، وربما للثورة في ذكراها الثالثة بعدما كاد الدم المتراكم أن ينسي بهجة كانت في الميدان ذات يوم.