في الحياة الواقعية، وفي بلد يقدّس الأوراق الرسمية على رأسها «خانة الدين في الهوية»، يصعب أن ينجح تلميذ في إخفاء هويته الدينية عن المدرسة والمدرسين والتلاميذ، كما فعل «هاني» بطل فيلم «لا مؤاخذة» جديد المخرج عمرو سلامة. لكن من زاوية التواطؤ مع الدراما، وحججها ومصادفاتها وألاعيبها، يجوز الاندماج مع حكاية التلميذ ابن العائلة الغنية التي تتدهور فجأة بوفاة مُعيلها. يضطر الطفل الوحيد إلى ترك مدرسته الراقية، إلى مدرسة حكومية فقيرة. هناك، تتدخل المصادفة الفنية التي اختارت للتلميذ المسيحي اسماً أقرب إلى المسلمين (هاني عبد الله)، ولا يسمع منه المدرّس بقية اللقب (بيتر)، فيكتفي بسماع الاسمين الأولين، مُعلناً: «يعني الحمد لله كلنا في الفصل مسلمين»!


يصمت هاني (الطفل أحمد داش) ولا يصحّح الخطأ، وقد أضاف الخوف الديني إلى صدمته الاجتماعية في المدرسة الفقيرة والعدوانية.
«لا مؤاخذة» مصطلح شعبي يستخدم في الأساس قبل نطق عبارة غير مهذبة أو شأن غير لائق، غير أنه امتد مع التغيرات الاجتماعية ليلحق حتى بفئات وطبقات وطوائف. في الفيلم، يسأل المدرس تلاميذه عن مهن آبائهم، بحجة ظاهرية هي التعرف إليهم، وبحجة باطنية هي معرفة مَن منهم «مسنود أو بلا ظهر». ينطق التلاميذ بمهن آبائهم الفقيرة «لا مؤاخذة سبّاك، لا مؤاخذة كمسري...». ولأنّ هاني ذا الأصل البورجوازي لا يعرف معنى «لا مؤاخذة»، فإنه يجيب بدوره عن مهنة والده المتوفي: «لا مؤاخذة مدير بنك»!
غير أنّ الـ«لا مؤاخذة» الأساسية هنا هي التمييز الديني. يتعرّف هاني عبر زميله مؤمن (معاذ نبيل)، إلى التسميات التحقيرية التي يطلقها العامة على المسيحيين من قبيل «أربعة ريشة، عضمة زرقا، كفاتسة». يواصل زميله الذي يظنه مسلماً تعريفه بالصورة التي كان محمياً منها في مدرسته الأجنبية في الماضي السعيد، فيزداد في حاضره التعس تمسكاً بصورته الإسلامية المزيفة، إلى درجة الاشتراك في مسابقة للإنشاد الديني الإسلامي، فائزاً في المركز الأول، ما يساعده في الاندماج في تمثيل دور المسلم، مبعداً عن بال أي شخص فكرة أن يعرف أنه «لا مؤاخذة مسيحي».
في تجربته الثالثة بعد «زي النهاردة» (2008)، و«أسماء» (2011)، يقدم عمرو سلامة فيلماً سريع الإيقاع (مونتاج باهر رشيد)، ممتعاً، أو طريفاً في الحد الأدنى، ولو عابه ارتباك شخصية رئيسية في السيناريو، هي كريستين والدة هاني (كندة علوش) التي لم يكن واضحاً: هل تشعر بالاضطهاد الديني حقاً؟ فلم كانت تنفيه إذاً؟ ثم لماذا عادت لتطلب الهجرة؟ غير أنّ هذه الضبابية كانت سمة للشخصيات القليلة خارج المكان الرئيسي للفيلم، وهو المدرسة. أما داخل الأسوار، فقد بدا تميّز ملموس في إدارة الأطفال/ المراهقين، ومشاهد مدرسية حيوية هي الأفضل منذ فيلم شريف عرفة «الناظر» (2000). كشف الطفلان أحمد داش ومعاذ نبيل عن موهبة حقيقية، وكذلك آدم مطر في شخصية بالغة الطرافة هي «التلميذ الحكيم». وفي دور ناظر المدرسة، أجاد بيومي فؤاد بطريقته المميزة: تفجير الضحكات عبر اصطناع جدية من نوع خاص. ويبقى أنّ القصة التي كتبها المخرج كعادته بنفسه، تتطور بالصورة الكلاسيكية المميزة لهذا النوع من «أفلام المدارس». بعد انكشاف حقيقته، يضطر التلميذ هاني إلى خوض صراعاته بنفسه حرفياً، أي بالأيدي والضرب والجودو كي ينتصر على خصمه التلميذ الفتوة. يبدو ذلك ملمحاً أميركياً واضحاً، لكن المدرسة كانت مصرية جداً رغم ذلك.
امتلأ الفيلم، ربما من أجل دعم المخرج الشاب، بظهور خاص لنجوم آخرين. في الزفاف في الكنيسة، تظهر هند صبري وآسر ياسين في دور العروسين، بينما يتولى نجم الكوميديا أحمد حلمي، التعليق الصوتي على أحداث الفيلم، ويوجه سلامة الشكر إلى قائمة طويلة من الأسماء شاركت في دعم السيناريو وتوجيهه، منها محمد دياب وشريف نجيب ومصطفى حلمي وجورج عزمي.