لم تتأخر «المؤسسة اللبنانية للإرسال» في إصدار بيان تعتذر فيه عن التقرير الذي بثّته في نشرتها الإخبارية مساء الجمعة الفائت، وتنقل فيه صوراً من قاعدة جوية إسرائيلية (راجع الإطار). الاعتذار الصريح الذي يبدو واضحاً أنه كتب بعناية ومن دون أيّ محاولة تذاكي للتبرير، أثلج قلوب كثيرين ممن ساءهم التقرير، ورأوا فيه انتهاكاً لكرامتهم قبل أن يكون انتهاكاً للقانون اللبناني. وكما غصّت مواقع التواصل الاجتماعي بردود الفعل الغاضبة من القناة وتقريرها، عادت وتناقلت بيان الاعتذار بإيجابية كبيرة.


لكن قبل أن تنطفئ على جبهة lbci، اشتعلت على جبهة «الجديد» التي ارتكبت (وقناة mtv) خطأً «بسيطاً» ليلة أول من أمس، عندما أعلنت وفاة الشيخ عباس زغيب في الاشتباكات التي وقعت بين عائلتي حجولا وزعيتر في منطقة الليلكي في ضاحية بيروت الجنوبية، ليتبين لاحقاً أنه لا يزال على قيد الحياة.
على جري العادة، لم يسلم هذا الخطأ من تعليقات روّاد مواقع التواصل الاجتماعي. إلا أنّ الجديد هذه المرة كان الهجوم المضاد الذي قرّر عدد من الإعلاميين في «الجديد» شنّه على المشاهدين الناقدين أو الساخرين. راوحت ردود الفعل بين «انضبّ»، تقولها مديرة الأخبار في القناة لمواطن نقل على صفحته «الفايسبوكية» كلاماً سمعه على الشاشة نفسها عن الموضوع، فيما لا تتردّد زميلة ثانية في وصف المشاهدين الذين ينتقدون عمل القناة التي تعمل فيها بـ«التافهين»، وطلبت ثالثة «تخفيف الفلسفة». وكان سبق لمرتكبة الخطأ الأخير أن برّرت سبب الانتقادات التي يتعرّضون لها كمراسلين بعبارة: «يغارون منّا».
لكن بعيداً عن هذه الردود التي تكشف ثقافة قائليها وحجم معرفتهم بطبيعة عملهم وتوقعاتهم لما يمكن أن ينجم عنه، يبدو مثيراً للاهتمام أن نقرأ ما يقولون لنا إنه ظروف خاصة بمهنتهم. بالنسبة إليهم، لا يمكن أحداً أن ينتقد أمراً لا يعرف الظروف المحيطة به. وهذا صحيح من حيث المبدأ، وبالنسبة إلى نقاد محترفين. لكنه لا يسري على المشاهد العادي، وليس عندما تكون النتيجة كارثية. كثيرون منا لا يعرفون ظروف إنتاج السلعة الغذائية التي يأكلونها، لكنهم يعرفون أنها سيئة عندما يتسمّمون بسببها.
نعم، هناك الكثير من الظروف التي يمكن أن تتسبّب بأخطاء يرتكبها الإعلامي رغماً عنه، أو عن وعي منه. لكن الظروف التي اختار الزملاء الإشارة إليها هي «الضغط والخطر»، وهي ضغوط خارجة عن آلية إنتاج «السكوبات» التي يتحفوننا بها، ولا يعتذرون عنها لاحقاً. تعيّرنا زميلة بأنها تقوم بعملها في ظلّ هذه الظروف، في حين أن المشاهدين، وهنا «نكبتها»، جالسون في بيوتهم.
هل من يشرح لنا كيف لإعلامي أن يكون «منكوباً» في حال كان جمهوره جالساً في البيت، ليشاهده؟ وفق هذا المنطق، لا بأس أيها المشاهد، الجالس في بيتك، إن كان هناك إعلامي معرّض للخطر في الشارع، وأبلغك عبر الشاشة أن شقيقك توفي. لماذا لا تقدّر ظرفه؟ «يا عيب الشوم» عليك عندما تعبّر عن رأيك. أنت مرحّب بك، ومشكور، فقط عندما تصفّق. أما إذا لم يعجبك الأمر، فالأفضل أن تعمل صحافياً، ولا تبقى في البيت.
هل يدرك الزملاء الأعزاء أن هذا ما هو حاصل فعلاً؟ هل يعرفون أن المشاهدين لم يعد يعجبهم الأمر فعلاً، وأنهم خرجوا من بيوتهم لينقلوا هم الأخبار والمعلومات؟ هل سألوا أنفسهم يوماً عن سبب هذا التوجّه؟ هل يعرفون كيف وُلِدت أولى المدوّنات ولأي أهداف؟
من يقرأ آراء الكثير من المدوّنين، الناشطين في العمل السياسي والاجتماعي في دولهم، يعرف رأيهم السلبي بالصحافة والصحافيين «الذين لو كانوا يقومون بواجبهم صح، لما كنّا وجدنا». هؤلاء الاعلاميون الذين لا يريدون لأحد أن يبدي رأيه إلا إذا عرف الظروف، ماذا يعرفون هم عن أسباب ولادة تيار نقدي واسع في حقل العلوم الاجتماعية لعمل الصحافة، والتلفزيون تحديداً؟نعم، المشاهدون لا يعرفون ظروف عمل الإعلاميين، ولا يريدون أن يعرفوا، وليس مطلوباً منهم أن يعرفوا. هم لا يطمعون بأكثر من صحافي مستعدّ لتحمّل مسؤولية العمل الذي اختاره، ويتقاضى أجراً لقاء القيام به. إلا إذا كان المراسلون يعملون كمتطوعين في الدفاع المدني أو الصليب الأحمر، من دون أن نكون على علم بذلك؟ لا يطمع المشاهدون بأكثر من إعلامي يقول لهم عندما يخطئ: نعم، لقد أخطأت وأنا أعتذر، عوض أن يؤنبّه.
لكن، عندما نفتقر إلى هذا الصحافي، وإلى القدرة على الاعتراف بالخطأ كما يبدو واضحاً، لا يمكننا إلا أن نصدّق lbci وهي تصف اعترافها بالخطأ بـ«الشجاعة». نعم، الاعتذار شجاعة... وثقافة.




التراجع عن الخطأ...

أوضحت lbci (الصورة لبيار الضاهر) في بيانها الصادر أول من أمس أنّها «تعتمد في تغطيتها الواردة من حيفا أو من الضفة الغربية على شركة إنتاج فلسطينية تُدعى «ميد ميديا»، مقرّها في رام الله وتعمل بترخيص من وزارة الإعلام الفلسطينية»، وأنّ العودة إلى سياق التقرير موضوع الاعتذار «تؤكّد أنّ سياقه يضع استعراض القوّة الإسرائيلي في سياق محاولة إسرائيليّة مفضوحة لحجز مقعد لها في مؤتمر جنيف، أكثر ممّا هو رسالة تهديد للبنان. لكنّ lbci تقرّ بأنّها وقعت حقاً في فخّ الجيش الإسرائيلي خلال إعدادها للتقرير، حتّى ظنّ الأخير أنّ بإمكانه استخدام شاشة لبنانية لأغراضه». لذلك «تعتذر lbci من مشاهديها على هذه السقطة التي نتجت من سوء تفاهم وليس عن نيّة بالتواطؤ مع الجيش الذي ارتكب الفظائع في لبنان».