نالت رواية «بائع الحليب» (صادرة عن دار نشر Faber & Faber) للإيرلنديّة آنا بيرنز (1962)، أوّل من أمس، جائزة «مان بوكر» الأدبية. خيار الجائزة البريطانية التي بلغت هذه السنة عامها الخمسين كان مفاجأة للقرّاء والنقاد على السواء. حتى بدء حفلة التتويج في لندن، كانت التوقّعات لا تزال ترجّح البريطانية ديزي جونسون (1990) التي وصلت إلى القائمة القصيرة عن «كل شيء تحت». حلم جونسون بأن تكون الفائزة الأصغر سناً، سرقه «الصوت الأصيل»، وفق تعبير لجنة التحكيم، لبطلة The Milkman، التي أطاحت أيضاً بـالمرشحين الأربعة الآخرين في القائمة القصيرة: الشاعر الإسكتلندي روبن روبرتسون (عن The Long Take)، والأميركيين راشل كشنر (عن «غرفة مارس») وريتشارد بورز (عن The Overstory)، والكاتبة الكندية الغانية الأصل إسي إدوجيان (عن Washington Black). فازت بيرنز كأول روائية من إيرلندا الشمالية، لكنها تلتحق بكتاب إيرلنديين سبقوها إلى الجائزة منهم آن إنرايت، ورودي دويل وآخرون.

في كلمته، شدّد رئيس اللجنة الكاتب والفيلسوف البريطاني الغاني كوامي أنطوني أبيا على التجريب النثري في الرواية: «لم نقرأ شيئاً مماثلاً من قبل، صوت بيرنز المتفرّد يتحدّى التفكير التقليدي عبر نثر مفاجئ وغامر». هذه هي الأسباب الأدبية التي أوصلت الرواية إلى الفوز. هناك دوافع أخرى بالتأكيد، توليها الجائزة ولجنتها، وأي جائزة، أهمّيّة، هي ارتباط أحداث الروايات بالحركات السياسية والاجتماعيّة الراهنة. هكذا جاء فوز بول بيتي وروايته The Sellout قبل عامين بالتزامن مع أصوات حركة «حياة السود مهمّة». لم يخف أبيا قرار اللجنة التي رأت الرواية مرآة لعصرها ولحقبة #أنا أيضاً (#Me_Too) لفضح المتحرّشين الجنسيين بالنساء. «أظن أن هذه الرواية ستساعد القرّاء على التفكير بحملة #Me_Too ونحن نحبّذ الروايات التي تدفع الناس إلى إعادة النظر في الحركات والتحدّيات الراهنة». على رغم تنوّع جنسيات الواصلين إلى القائمة القصيرة، وتجاربهم السردية واللغوية المبتكرة، لم يكن مستغرباً أن تكون رواياتهم الست مشتركة بهموم العنف والحرب والبيئة والجندر والعنصرية. روايات تدور حول «كائنات تتقاسم هذا الكوكب في ظلّ تحديات القلق والمعاناة والألم»، كما ذكرت لجنة التحكيم المؤلّفة من كاتب التشويق الإسكتلندي فال ماكدرميد، والناقد ليو روبسون والكاتبة النسوية جاكلين روز والروائية ليان شابتون. تبدو إيرلندا الشمالية مساحة مثالية لمآزق كهذه. تجري The Milkman في منطقة مضطربة سياسياً تستحضر مواجهات السبعينيات الدموية في البلاد. في روايتها الثالثة بعد No Bones عام 2002 (وصلت إلى اللائحة القصيرة لجائزة Orange Prize)، و Little Constructions عام 2008، تواصل بيرنز كشف مكامن سلطة تصلح لحقبات معاصرة وسابقة. صحيح أن أحداث الرواية تدور في مدينة مجهولة، إلا أنها تحمل الذاكرة الثقيلة لمسقط رأس الكاتبة بلفاست. مثلما تجرّد المدينة من الاسم، تترك بطلتها وكافة شخصيات الرواية بلا أسماء. تمنحهم ألقاباً بدلاً من ذلك. البطلة هي الابنة الوسطى في عائلتها. فتاة في الثامنة عشرة من عمرها.

ترتبط أحداث الروايات بالحركات السياسية والاجتماعيّة الراهنة

تسير على الطريق ورأسها مطأطأ، لأنها تقرأ كتاباً من القرن التاسع عشر يرافقها في نزهتها. الرواية كلّها تأتي على لسانها بضمير المتكلّم بكلّ تردّده وسخريته وبلهجة مدينة بلفاست. لا تأخذ الكاتبة نفساً في السرد. إذ نشرت عملها ضمن كتلة واحدة من دون أن تقسّمها إلى مقاطع أو فصول. اندفاع المراهقة وأحلامها، يقعان بيد رجل يدعى بائع الحليب. يستغلّ صلات القرابة، والضغط الاجتماعي والانتماءات السياسيّة كأداة لفرض العلاقة الجنسية على المراهقة بالقوّة. يطاردها في الشارع ويعرض عليها أن يوصلها بسيارته، ويهدّدها بقتل حبيبها. كلّ ذلك يدور تحت أنظار سكّان الحي. تجد الفتاة نفسها في الضوء وعلى ألسنة الناس من دون إنذار. تتابع الرواية التطوّر النفسي للابنة الوسطى التي تتغيّر نظرتها إلى العالم وإلى الزواج والحب. ثمّة إحالات كثيرة إلى الأبوية الدينية والعائلية والعسكرية، ما يخرج العمل من طابعه التأريخي، ويفتح عوالمه على مظاهر هذه السلطات في كل بقع العالم، وفي إيرلندا الشمالية تحديداً التي خرج منها جيل متمرّد من الكاتبات اللواتي تشكّلت تجاربهن الأدبية من عنف البلاد مثل لوسي كالدويل ورويزين أودونيل وجان كارسون وبيرنز.



مطالبات بالتقوقع
مع إعلان القائمة القصيرة التي ضمّت الكاتبين الأميركيين راشل كشنر وريتشارد بورز، علت أصوات تطالب القائمين على الجائزة بالتقوقع داخل الهويّات الضيّقة. سخط بريطاني، دفع كتّاباً وثلاثين دار نشر إلى توجيه رسالة إلى مؤسسة البوكر، داعين إياها إلى التراجع عن الخطوة التي اتخذتها عام 2014 وجعلت من الجائزة الأدبية متاحة أمام كل الكتاب باللغة الإنكليزية. لم تشهد الدورات الأربع السابقة فوز بريطاني واحد، إذ حصدها الجامايكي مارلون جيمس ثم الأسترالي ريتشارد فلانغان، والأميركيان بول بيتي وجورج ساندرز لعامين متتاليين. هكذا اضطر رئيس لجنة التحكيم كوامي أنطوني أبيا إلى إعادة التذكير بأن الجائزة لا تولي أهمية لا إلى الجندر ولا إلى الهويّة بل إلى الأدب وحده فـ «من يقرأ أدباً ليس عليه عن يسأل الكتّاب عن جوازات سفرهم». وخلال إعلان الجائزة أول من أمس، قال أبيا أن اختيار الكاتبة الإيرلندية لم يكن بهدف أو تفادي الجدل الذي كان سيثيره فوز أميركي ثالث بها.