مدينة خياليّة، طوّر سكّانها تقاليد استباقيّة لمواجهة الموت. يمارسون طقوس الوداع لأجساد الأحياء، يغسلونها، ويلتقطون لها الصور. هذا هو المكان الواسع لتجهيز الفيديو الجديد للفنان اللبناني في «غاليري تانيت». جماليّة بصريّة، تتقصّد التجريد الفني في تظهير بعض الخطوات التي تمارس على الجثّة المستقبليّة لجندي، وتستحضر الجانب المادي والجسدي الحميم للغياب... كأن العمل بمجمله، اعتراض أخير متردد أمام حتمية المصير.

قد يدخل الزائر إلى فضاء «غاليري تانيت» (مار مخايل ــ بيروت) في أيّ وقت ويتعثّر بجسد عار ملقى على الأرض. أو قد يدخل في لحظة أخرى ويجد نفسه على سطح مياه متحرّكة. في كل الحالات، يدعونا روي ديب مباشرة إلى تجهيز فيديو «تردّد» الذي يعرض على الأرض. خيار فنّي لا يترك للمشاهد ترف التفرّج. إنه مدعو إلى المشاركة في التلصّص على نصف جثّة، قبل أن تكتمل. عبر تجهيز فيديو وست صور فوتوغرافيّة، يواصل الفنان والمخرج اللبناني (1983) في معرضه الجديد، العمل على فكرة بدأها مع تجهيز «هنا وهناك» في الشارقة 2013. في فضاء مغلق، استعان بالستائر التي كان أهالي حلب يمدّونها بين البيوت كي تحميهم من رصاص القناص. حين انتقل العمل إلى روما وساو باولو، جمع الستائر مع أقمشة تقليدية من البلدين، وأضاف إليها مؤدية تقصّ دوائر صغيرة من الستائر المعلّقة وتقدّمها كحجابات حماية للزوّار. أقمشة الحماية نفسها رأيناها في عرضه المسرحي «قريب من هون» العام الماضي، الذي يدور في مدينة يضطّر سكّانها إلى إقامة طقوس العزاء قبل التحاق الشباب بالحرب. لا ستائر في التجهيز الحالي. ولا أيّ نوع منها. يمحو ديب الجدار الرابع بين عمله والزوّار. صحيح أن الفرضية الخياليّة هي ذاتها، في مساءلة الموت والتضحية، وطقوس الوداع والحزن لجثث يمكن ألّا تعود، لكنه يتخذها مسافةً مع حروب ما زالت قائمة بينما نشاهد العمل. على أن الفترة الزمنية التي تسبق الموت تتوسّع وتتمدّد ضمن حالة ملتبسة بين الحضور والغياب في التجهيز (21 د) الذي يشارك فيه شربل سعادة وبسام الحسين وكوليت سابا ولينه سحّاب ورويدا سابا ورشا صلاح وساندي شمعون وزياد شكرون وستيفاني إدّه.

«رويدا 36» (60 × 80 سنتم)

بعد طرقتين، يدخل شاب ويجلس بمفرده. ينظر نحونا إلى الأعلى. ثمّ يتمدّد. الركود الجثثي للجسد، يكسره الكلام والتسجيل الذي يدور في موازاة الصورة. يسرد حلماً يأتيه دائماً. «في حلم الو فترة بيتردّد. بنصّ النهار، بكون قاعد بالبيت، بسمع من بعيد صوت مي عم تمشي، بقوم بلحق صوت الميّ. بضهر من البيت وبلاقي الشارع فاضي. ما في حدا، كأنهن كلهن فلّوا». تتبدّل الصورة على وقع المنام الذي يكشف هواجس الجندي وضعفه ومخاوفه. تقترب خمس نسوة تباعاً من الشاب. يربطن حجابات على كاحله الأيسر، لحمايته لدى ذهابه إلى الحرب. موضع يستحضره مجدّداً في حوار المقاتل مع امرأة لا نراها. هكذا نعرف أنه جندي. يخبرها: «عم بتوجّعني إجري»، تسأله «وين بالظبط؟»، «كاحلي الشمال»، «طبيعي هيدي لعنة كلّ المحاربين» في إشارة إلى آخيل بطل الميثولوجيا الإغريقيّة والمحارب الذي لم تصل المياه التي غمرته بها أمّه إلى كاحله الأيسر فأصيب في هذا الموقع وقتل. من دون سياق سردي، تتوالى اللقطات المتحرّكة بتجرّد يخلو من الاستفاضات الدرامية. فقط طقوسية الوداع ضمن مشاهد جمالية تأتينا من كلّ مكان. على رغم أن النص والحوار الكلامي يكتنزان مفاتيح العمل، إلا أن التجهيز قائم أساساً على الشقّ البصري الذي يمنحه قوّته. الصورة تفيض عن المكان ولا تتركّز في موقع واحد من الغاليري. سنجد أنفسنا نطارد جثّة مستقبلية لشاب وهي تتنقّل على كل المساحة من مكان إلى آخر. يستثمر روي فضاء الغاليري بأكمله، بما يتجاوز حدوده، ليصنع حالة هائمة زمانياً ومكانياً. هكذا ينسلّ شاطئ جردي من الزوايا الأربع، ثم يتدفّق صوت المياه التي تغمر الأرض كإيحاء بحدوث الفاجعة التي تتردّد على حلم الجندي: «بمشي، وبعد فترة بلاحظ إني صرت عم بمشي فوق البحيرة، فوق المي... هيدا الحلم إلو فترة عم يتردّد. إلي فترة مش عم بقدر نام. ولما نام بوعى نقزان كلّني عرق. وتمّي منشّف عطشان». يستعين ديب بقصص المسيح الذي «مشى على الماء» كأي يقين يقف وراء خيارات المقاتلين. يستخدم إحالات العطش التي واجهت أبطال الروايات الدينية قبل موتهم (المسيح على الصليب، والحسين وعائلته في كربلاء) مجدّداً، لكن لتظهير هشاشة هذا اليقين، والتردّد في الذهاب إلى الحرب. يستبق الفنان لحظة الفراق، يهيّئ لها قبل فوات الأوان وقبل أن يكون الموتى قد صاروا موتى. يمنح الجندي والمقربين وقتاً للوداع وللتراجع أو التقدّم نحو المصير الماثل أمامهم، متوقّفاً عند معنى التضحية وجدواها. «ليش قرّرت تروح عالحرب؟». «كرمال تقدروا تمشوا على المي بلا ما تغرقوا». المياه عنصر أساسي في التجهيز. تحضر مجدّداً هذه المرّة، لكن ليس إلى فمه الجافّ بل تغمر جسده. يدخل شاب آخر، يقرفص بجانب الجسد ويغسله بقماشة مع مياه، يقلبه على جنبه من دون مقاومة أو تدخل من الشاب المستلقي. يطول المشهد. تصل المياه إلى كافّة أطرافه، اليدين والقدمين والرأس. يرتمي الفيديو بين لحظتي الموت والحياة التي يعبّر عنها: بين حديث الشاب وجثته الجامدة، وبصرياً بين المياه والتصحّر.
تجهيز فيديو وست صور فوتوغرافيّة تسائل الموت والتضحية، وطقوس الوداع والحزن


مع ذلك، فإن جمود الجسم بأعضائه المرمية تحت أعيننا، يستحضر الجانب المادي والجسدي الحميم للغياب. الجسد وحده هو آلاف الأجساد التي غادرت بخفّة منقادة وراء قناعات ما ورائية. وإذ ينطلق من غياب آخر يضاف إلى الموت وهو افتقاد الجثث في الحروب، إلا أنه يبحث في معنى الوداع أساساً وعلاقة الأحياء مع جسد الغائب. أهي علاق مادية أو معنوية؟ ما هو التذكّر أساساً، وكيف يمكن حفظ الميت؟ لا إجابات يمكن انتظارها. كلّما استفاض ديب في تمثيل مشهد الوداع، كلّما توالدت أسئلة إضافيّة عن لحظة لا يمكن التنبؤ بها. تظلّ عصيّة على التصوّر مثل الموت تماماً. هكذا نصل إلى آخر المشاهد. تأتي النسوة بثياب وفساتين ملوّنة. ينظرن إلينا بين وقت وآخر. لقد جئن لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليه. يقتربن منه ويلتقطن له صوراً بهواتفهم الذكية. صور تذكارية تبدو تقليداً مباشراً لعلاقتنا الآليّة بأجهزة التصوير لمواجهة كلّ ما نراه. يقبع الجسد أمامهن، إلا إنهن منشغلات بمستقبله لا بحاضره، وبتمثيلاته البصرية التي تعادل غيابه، بدلاً من حضوره المادي. يقلّبنه ويدرن حوله بما يناسب الصور التي يردن التقاطها. للوهلة الأولى، تبدو هذه الممارسة المتوقّعة إلى درجة الألفة، متنافرة مع الفيديو القائم على الحضور الجسدي خلال مراسم الوداع.
لكن ديب يوظّفها نقديّاً في مكان آخر من المعرض. من بين الصور الحقيقية التي صورتها النسوة أثناء تسجيل الفيديو، اختار مجموعة منها، وطبعها وكبّرها وعلّقها للبيع على جدران الغاليري. هكذا يظهّر أحد أوجه الخفّة لما يمكن تسميته تذكارات الموت، التي تحوّل لحظات الفاجعة والحميمية إلى مادّة تُباع وتُشرى.

* «تردّد» لروي ديب: حتى 10 تشرين الثاني (نوفمبر) ــ «غاليري تانيت» (مار مخايل ــ بيروت). للاستعلام: 01/562812