هناك «حالة» حقيقية في كل لوحة من معرض جبر علوان «حالات» الذي افتُتح أخيراً في «مركز بيروت للمعارض»، ويضم 60 لوحة بقياسات كبيرة ومتوسطة. حالة تفيض على العناوين الإجرائية التي وزّع الرسام العراقي أعماله عليها. حالة يغرق فيها شخوص اللوحات، قبل أن يغرق فيها المتلقي أيضاً. الغرق هو ترجمة أولية لكثافة الألوان وخصوبة الكادرات التي تحيط بهؤلاء الشخوص، وتشارك في إنجاز تفاصيلهم وأمزجتهم أيضاً.


الكثافة مصنوعة من براعة هائلة في التقاط طبقات الظل والضوء، ومن صداقة طويلة مع معجم لوني تربّى عليه الرسام العراقي أثناء إقامته الطويلة في «فن اللوحة» المحكومة بتقاليد اللوحة الكلاسيكية، مكتفياً بتطوير تجربتهa وإنضاجها في داخلها، وفي جوارها القريب. لوحة جبر علوان ــ بهذا المعنى ــ هي واحدة من الطبعات المعاصرة والفريدة لهذا الفن الذي «أفسدته» تجارب معاصرة كثيرة، و«مرّغته» في وحول الـ «بوب آرت» والتجريد والفيديو والتجهيز.
استثمر علوان مخزونه العراقي والشرقي في إثراء لوحته، التي باتت معروفة لدى الجمهور حتى لو لم تكن مذيَّلة بإمضائه. خلط شخوصه مع بعض التجريدات. رسم مشهديات من الذاكرة. وعثر أخيراً على تعبيرية غنية تتلاشى فيها التفاصيل الدقيقة لمصلحة حركة كلية أو مزاج شامل في تأليف اللوحة. الخلفيات التي كانت تستفيد من بقايا وهوامش تجريدية وتزيينية صارت جزءاً من حركة الشخص أو الأشخاص الذين يحتلون اللوحة. كأن علوان يريد أن يُظهر أحشاء الشخص وأفكاره ومزاجه أكثر من إظهار شكله الخارجي وتعبيراته المرئية. الإنسان الحاضر بكثافة في تجربته، هو بطل معرضه الحالي أيضاً. أحياناً يكون منفرداً ومنقوعاً في فرديته وعزلته كما في لوحات «بعد الشهوة»، و«وحدة»، و«إغواء». وأحياناً نجده مع شريك أو شركاء كما في متوالية «المقهى» المؤلفة من 7 لوحات، التي يتجنب في بعضها ثالوثه اللوني المفضل: الأحمر والأصفر والأسود، ويسمح لتدرّجات الرمادي بتوثيق حركة رواد المقهى والتقاط فكرة تزجية الوقت بصحبة كتاب أو في الثرثرة، أو في مراقبة الحياة التي تجري في الخارج. ربما يكون الرمادي، الذي نجده في لوحات أخرى أيضاً، تأويلاً بصرياً للحظة عربية راهنة تتسرب بطريقة بديهية إلى أعماله، وربما يكون ذلك حنيناً شخصياً مختلطاً بصور الدمار والأنقاض والقتل التي كانت تأتيه من العراق، والآن تأتيه من سوريا، التي أقام فيها ليكون قريباً من ذاكرته ونشأته ورائحة أمكنته العراقية الأولى. كأن اللحظة الراهنة تعيد تشريد الرسام، الذي عاش عقوداً في إيطاليا، وبدا له أنه تخلص من منفاه بالعودة إلى «شرق المتوسط»، الذي سيظل يذكّره بصديقه الراحل عبد الرحمن منيف، الذي تناول تجربته في كتاب «موسيقى الألوان». تأويلٌ مثل هذا يظل مدفوناً في «الحالات» المرسومة، ولا يتحول إلى احتجاج سياسي أو فكري مباشر. علاقة الرسام الطويلة مع فنه الشخصي تتكفل بتذويب هذه الانطباعات والتأويلات المباشرة في التأليف العام للوحاته. قد تظهر إيحاءات من ذلك في شكل اللطخات اللونية ونزقها وسُمكها، أو في اللقاء العاصف لتلك اللطخات في أكثر من بؤرة واحدة، بينما المزاج الغرائزي يأخذ «حالات» العزلة والموسيقى والرقص والمقهى والرغبات الجسدية إلى حدودها القصوى. كأن الرسام يسعى إلى العثور على موضوعه كي يتخلى عنه بعد أن يستخرج روحيته ومناخاته، أو يرسم الموضوع وروحيته معاً. يظهر ذلك أكثر في الأعمال التي أنجز فيها حالات موسيقية، كما في «عازف الساكسفون»، و«بروفة أوركسترا»، و«تانغو»، حيث يغرق العازف الوحيد في وحدته في اللوحة الأولى، ويتجمع عازفون آخرون مع آلاتهم في بروفة حول بيانو في الثانية، ويتساوى جسما الراقصيَن مع حركة الرقص في الثالثة. قوة علوان تكمن في التنظيم الخفي لتلك الاندفاعات الجحيمية والعنيفة للألوان، وجعلها تطفو على شعرية بصرية وسردية تتألف بحسبها السيناريوهات الموجودة في اللوحات. سيناريوهات بسيطة تظل في متناول المتلقي، بينما جودتها تتغذى من جماليات تقليدية لا تزال قادرة على استثمار تشخيصات عصر النهضة، والمرور بتجارب انطباعية أساسية، قبل أن تصل إلى لوحة جبر علوان الابن الرهيب لتلك السلالة التي احتفت بالإنسان، واستضافته في اللوحة بقوة الحواس والغرائز الفطرية. بطريقة ما، يبدو أنّ جبر علوان رسم لوحة واحدة طوال تجربته. لوحة وضع فيها شخوصه داخل لحظة وجودية قصوى، واشتغل في الوقت نفسه على فكرة أن تصلنا شعرية هذا الوجود أولاً، قبل أن تختلط مع جروح هؤلاء الشخوص وآلامهم ورغباتهم وعزلاتهم ودمارهم الداخلي. دمار يظل يضطرم في تعبيرات جسدية مختلفة، لكنه لا يلوي عنق هذه التعبيرات. إنها تعبيرات حزينة وموجعة، لكنها تصل إلى المتلقي بكامل بذخها وأناقتها أيضاً.

يمكنكم متابعة حسين بن حمزة عبر تويتر | @hbinhamza

«حالات» حتى 23 شباط (فبراير) ـــ «مركز بيروت للمعارض» (بيال). للاستعلام:01/980650




شهرة عالمية

ولد جبر علوان في بابل عام 1948، وتخرج في معهد الفنون في بغداد 1970، وغادر إلى روما لاستكمال دراسته عام 1972. إقامته الطويلة هناك أكسبت تجربته شهرة عالمية استثمر فيها ذاكرته الشرقية مع تأثيرات أوروبية قوية نجح في تحويلها إلى مقتنيات شخصية. وعلى امتداد 50 معرضاً فردياً، وحضور دائم في العديد من المتاحف العربية والعالمية، حافظ على انحيازه لتوليفات لونية متفجرة ومتلاطمة، وعلى شغفه في وضع أبطاله داخل مزاج مضطرب يشبه مدونته اللونية المتأججة والجارفة.